الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


هل السؤال عن سبب التعديل شرط ؟

مسألة : قال الشافعي : " ولا يقبل التعديل إلا بأن يقول : عدل علي ولي .

قال الماوردي : واختلف أصحابنا فيما ذكره الشافعي من هذا القول .

فقال بعضهم : هذا يدل على أن الحاكم لا يسأل عن أسباب التعديل ، ويسألهم .

عن أسباب الجرح : لأن الشهادة بالتعديل أن يجدوه سليما من الهفوات ، وهذا لا يحتاج فيه إلى شرح السبب ، والجرح بحدوث أفعاله الموجبة لفسقه ، فوجب شرحها .

فعلى قول هذه الطائفة يكون السؤال عن سبب العدالة استظهار وليس بشرط واجب . وهو الذي عليه القضاء في زماننا .

وعلى هذا قول الشافعي : ولا يقبل التعديل إلا بأن يقول : " عدل علي ولي " .

فاختلف أصحابنا في قوله : عدل علي ولي هل يكون مستعملا على الوجوب شرطا فيها ؟ أو على الاستحباب تأكيدا لها ؟ على وجهين :

أحدهما : وهو قول أبي سعد الإصطخري أنه محمول على الاستحباب تأكيدا ، لأن الشهادة بالتعديل تقتضي الحكم بها له وعليه .

وهذا مذهب أبي حنيفة ، وأهل العراق .

والوجه الثاني : وهو قول أبي إسحاق المروزي وطائفة ، أنه محمول على الوجوب شرطا معتبرا في صحة التعديل ، فإن لم يذكره الشاهد لم يثبت التعديل على ظاهر ما قاله الشافعي .

واختلف من قال بهذا في العلة .

فقال أبو إسحاق : العلة فيه أنه قد يكون عدلا في شيء دون شيء ، وفي القليل دون الكثير ، فإذا قال ذلك عم ولم يخص .

وقال غيره : بل العلة فيه أنه قد يكون الشاهد بالتعديل ممن لا تقبل شهادته له ، لأنه من والديه أو مولوديه أو لا تقبل شهادته عليه ، لأنه من أعدائه ومباينيه فإذا قال : عدل علي ولي زال هذا الاحتمال .

[ ص: 195 ] فعلى هذا التعليل لا يلزم ذلك إذا علم أنه لا نسب بينهما ولا عداوة .

وعلى تعليل أبي إسحاق يلزم ذلك ، وإن علم أنه لا نسب بينهما ولا عداوة .

فأما الشهادة بأنه عدل رضا فهو وإن جرت العادة بالجمع بينهما في التعديل ، فعند جمهور أصحابنا أن قوله رضا محمول من التأكيد دون الوجوب ، لأن العدل رضا .

وذهب بعض البصريين من أصحابنا إلى أن شهادته بأنه رضا شرط في صحة التعديل ، لأن التعديل سلامة ، والرضا كمال .

واستزاد بعض القضاة منهم في التعديل أن يذكر الشهود : " أنه مأمون في الرضا والغضب " .

وهذا تأكيد ، وليس بشرط في التعديل : لأنه من أحكام العدالة أن يكون مأمونا في الرضا والغضب ، فلم يلزم في الشهادة أن نذكر أحكامها ، كما لا يلزم أن يذكر فيها صدقه ، وأمانته ، وتقواه ، وتحرجه .

فهذا شرح المذهب على قول من ذهب إلى أن سؤال الشاهد عن أسباب العدالة استظهار وليس بواجب .

وذهب آخرون إلى أن سؤاله عن أسبابها واجب ، لما قدمناه من التعليل ، من جواز الاحتمال في التعديل ، كجواز الاحتمال في التفسيق .

فعلى هذا يكون الشاهد مؤديا لأسباب التعديل ، والقاضي هو الحاكم بالعدالة وتكون استزادته من الشهود ، أن يشهدوا أنه عدل علي ولي استخبارا عن حكم العدالة ، وليس بشرط في قبول الشهادة على سببها .

وهل يكون هذا الاستخبار لازما في حق الحاكم وإن لم يكن لازما في حق الشاهد على وجهين :

أحدهما : يكون لازما في حقه [ ليكون حكمه ] ، بالتعديل على أحوط الأمور .

والوجه الثاني : أنه ليس بلازم في حقه ، كما ليس بلازم في حق الشاهد : لأن الشهادة بأسباب التعديل تغني عما سواه ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث