الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

إذا نسي الحاكم حكمه وشهد به شاهدان

إذا نسي الحاكم حكمه وشهد به شاهدان .

مسألة : قال الشافعي : " ولو شهد عنده شهود أنه حكم بحكم فلا يبطله ولا يحقه إذا لم يذكره " .

قال الماوردي : وصورتها في خصمين حضرا مجلس القاضي فادعى أحدهما على صاحبه حقا ، وأنكره الآخر . فذكر المدعي للقاضي أنه قد ثبت حقي عليه عندك وحكمت لي به .

فإن ذكر القاضي ذلك وعلمه ، حكم على الخصم به ، سواء قيل إن للقاضي أن يحكم بعلمه أو لا : لأنه ليس هذا منه استئنافا لحكم ، وإنما هو إمضاء وإلزام لما تقدم من حكمه .

[ ص: 208 ] وإن لم يذكر القاضي ذلك وأحضره المدعي خطه ، فقد ذكرنا أنه لا يجوز أن يحكم بخطه إذا لم يذكره .

فإن أحضر المدعي شهودا يشهدون عنده بما ثبت من حقه على خصمه فلذلك ضربان :

أحدهما : أن يشهد الشهود عنده أن المدعى عليه أقر عنده لهذا المدعي بكذا ، سمع القاضي هذه الشهادة ، لأنها شهادة على إقرار المدعى عليه ، وليست بشهادة على حكم القاضي ، وهذا متفق عليه .

والضرب الثاني : أن يشهد الشهود عنده أنه حكم لهذا المدعي على خصمه بكذا لثبوت ذلك عنده بما ذكره من إقرار أو بينة ، فيشهدون عنده بحكمه فقد اختلف الفقهاء فيه .

فمذهب الشافعي أنه لا يجوز للقاضي أن يسمع البينة على حكم نفسه وبها قال أبو يوسف .

وقال أبو حنيفة ومحمد وهو مذهب ابن أبي ليلى :

ويجوز للقاضي أن يسمع البينة على حكم نفسه كما يسمعها على حكم غيره .

استدلالا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع قول ذي اليدين أنه سلم من ركعتين ، واستشهد أبا بكر وعمر على ما قاله ذو اليدين فصدقاه ، فلم يمتنع من قبول شهادتهما على فعل نفسه ، فكان من عداه من الحكام بقبول الشهادة أحق .

ولأنه إجماع الصحابة ، لما رواه حميد ، عن أنس قال : بعث أبو موسى الأشعري بالهرمزان إلى عمر رضي الله عنه ، حين نزل على حكمه ، فلما قدم الهرمزان عليه سكت ، فقال له عمر : تكلم ، فقال : أكلام حي أم كلام ميت ؟ فقال له عمر : تكلم فلا بأس عليك ، فقال : " نحن وأنتم معاشر العرب حيث خلا الله بيننا وبينكم كنا نستعبدكم فلما كان الله معكم فليس لنا بكم يدان ، فأمر عمر بقتله له ، فقال له أنس : كيف تقتله وقد قلت له لا بأس عليك ؟ فقال عمر لأنس : " من يشهد معك ؟ " فشهد معه الزبير ، فقبل شهادتهما ، وأطلقه آمنا ، وفرض له في العطاء ، وكان هذا بمشهد من أعيان الصحابة ، فلم ينكر أحد منهم على عمر سماعه للشهادة على قوله ، فدل على إجماعهم على جوازه .

وقد أجاز المسلمون مثل ذلك في روايات السنن المشروعة : روى ربيعة ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد " ونسي سهيل الحديث ، فقال له ربيعة : أنت حدثتني فكان سهيل يقول : [ ص: 209 ] حدثني ربيعة عني عن أبي هريرة : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد " فإذا جاز أن يرجع إلى غيره فيما رواه جاز أن يرجع إليه فيما حكم به . ولأنه كما جاز أن يسمع الشهادة على حكم غيره جاز أن يسمعها على حكم نفسه .

ودليلنا : قول الله تعالى : بل الإنسان على نفسه بصيرة [ القيامة : 14 ] .

فوكله في فعله إلى نفسه ، ولم يكله إلى غيره .

ولأنه لما لم يجز أن يعمل على شهادة غيره : أنه قد صلى حتى يعلم ذلك من نفسه وحقوق الله تعالى أوسع حكما من حقوق العباد ، كان بأن لا يسمع الشهادة على حكمه لغيره وعلى غيره أولى ، ولأن الشهادة أخف من الحكم ، لما في الحكم من الإلزام الذي لا تتضمنه الشهادة .

ثم ثبت أن الشاهد إذا نسي شهادته فشهد بها عنده لم يجز أن يعمل على الشهادة فيما يشهد به : فكان الحكم بذلك أولى .

وأما الجواب عن قصة ذي اليدين فمن وجهين :

أحدهما : أنه تذكر بقولهم فعمل على ذكره .

والثاني : أن قولهم أحدث له شكا ، والشك في الصلاة يوجب العمل فيها على اليقين وبهما يجاب عن قصة الهرمزان .

وأما الجواب عن رواية الأخبار ، فلسعة حكمها جاز فيها ما لم يجز في غيرها .

وأما الجواب عن سماع غيره للشهادة ، فهو أن غيره يعمل على غلبة الظن ، فجاز أن يعمل على الشهادة بغلبة الظن ، وهو يعمل في فعل نفسه على اليقين ، فلم يجز أن يعمل بغلبة الظن في الشهادة حتى يقطع بيقين نفسه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث