الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 211 ] كتاب قاض إلى قاض

مسألة : قال الشافعي رحمه الله : " ويقبل كل كتاب لقاض عدل ولا يقبله إلا بعدلين وحتى يفتحه ويقرأه عليهما فيشهدا أن القاضي أشهدهما على ما فيه وأنه قرأه بحضرتهما أو قرئ عليهما ، وقال : اشهدا هذا كتابي إلى فلان " .

قال الماوردي : أما كتب القضاة إلى القضاة والأمراء ، في تنفيذ الأحكام ، واستيفاء الحقوق فمحكوم بها ومعمول عليها .

والأصل فيها ما حكاه الله تعالى من كتاب سليمان إلى بلقيس قالت : قالت ياأيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين

[ النمل : 30 ] فأنذرها بكتابه ، ودعاها إلى دينه ، وجعله بمنزلة كلامه واقتصر فيه على أن قال : ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين فأوجز واختصر ، وهكذا تكون كتب الأنبياء موجزة مختصرة .

فاحتمل قوله : ألا تعلوا علي تأويلين :

أحدهما : لا تعصوني .

والثاني : لا تخالفوني .

واحتمل قوله " وأتوني مسلمين " تأويلين :

أحدهما : مسلمين بديني .

والثاني : مستسلمين لطاعتي .

وهو أول من افتتح بسم الله الرحمن الرحيم .

ولما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح كتبه بـ " بسم الله الرحمن الرحيم "

[ ص: 212 ] وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملوك الأمم يدعوهم إلى الإسلام فكتب إلى اثني عشر ملكا منهم كسرى ملك الفرس وقيصر ملك الروم .

فأما كسرى فكتب إليه " بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الله إلى كسرى بن هرمزان أسلموا تسلموا والسلام " . فلما وصل كتابه مزقه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : تمزق ملكه .

وكتب إلى قيصر : بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد بن عبد الله ، إلى قيصر عظيم الروم : قل ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ، الآية [ آل عمران : 64 ] . فلما وصل كتابه قبله ووضعه على رأسه وتركه في المسك فقال النبي صلى الله عليه وسلم " ثبت ملكه " .

وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمرو بن حزم كتابا ذكر فيه الأحكام والزكوات والديات ، فصار في الدين شرعا ثابتا ، وعملا مستفيضا .

وجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا وأمر عليهم عبد الله بن جحش ودفع إليه كتابا مختوما ، وقال : لا تفضه حتى تبلغ موضع كذا ، فإذا بلغته ففضه ، واعمل بما فيه ففضه في الموضع الذي أمره ، وعمل بما فيه ، وأطاعه الجيش عليه .

وكتب الخلفاء الراشدون إلى أمرائهم وقضاتهم بما عملوا عليه في الديانات والسياسات .

وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري عهده على قضاء البصرة وهو مشهور جعله المسلمون أصلا للعهود .

وكتب إلى أبي هريرة : أما بعد ، فإنه قد حصر بنا فالوحا الوحا .

وكتب علي بن أبي طالب إلى عبد الله بن عباس : أما بعد ؛ فإن الإنسان ليسره درك ما لم يكن ليفوته ، ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه ، فلا تكن بما نلت من دنياك فرحا ، ولا بما فاتك منها ترحا ، ولا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل ويؤخر التوبة بطول أمل ، فكأن قد ، والسلام .

قال ابن عباس : فما انتفعت ولا اتعظت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل هذا الكتاب . فدلت هذه السنن والآثار على قبول الكتب في الأحكام ولأن ضرورات الحكام [ ص: 213 ] إليها داعيا في حفظ الحقوق : لأنها قد تبعد عن مستحقيها ويبعد عنها مستحقوها فلم يجد الحكام بدا من مكاتبة بعضهم لبعض بها .

فإذا تقرر هذا فللقاضي أن يكتب إلى غيره من القضاة بما وجب عنده من حكم ، أو ثبت عنده من حق ، ويكتب به إلى من هو أعلى منه وأدنى ، وإلى خليفته ومستخلفه .

ويكون المقصود به أمرين :

أحدهما : أن يثبت بها عند الثاني ما ثبت عند الأول .

والثاني : أن يقوم في تنفيذها واستيفائها مقام الأول .

متى يجب قبولها ؟

وإذا كان كذلك فلوجوب قبولها ثلاثة شروط :

أحدها : أن يكون الثاني عالما بصحة ولاية الأول ، فإن لم يعلم بصحة ولايته لم يلزمه قبول كتابه .

والشرط الثاني : أن يكون عالما بصحة أحكامه ، وكمال عدالته ، فإن لم يعلم لم يلزمه قبول كتابه .

والشرط الثالث : أن يعلم صحة كتابه فيما تضمنه من أحكام :

بأي شيء يعلم صحة الكتاب ؟

واختلف فيما يعلم به صحة كتابه .

فمذهب الشافعي وأبي حنيفة وأكثر الفقهاء إلى أنه لا يجوز أن يقبله القاضي المكتوب إليه إلا أن يشهد به شاهدان على ما سنصنفه .

وذهب قضاة البصرة : الحسن ، وسوار بن عبد الله ، وعبيد الله بن الحسن العنبري ، وهو قول أبي يوسف ، وأبي ثور وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد القاسم بن سلام وهو إحدى الروايتين عن مالك ، ومال إليه من أصحاب الشافعي أبو سعيد الإصطخري ، أنه إذا عرف القاضي المكتوب إليه خط القاضي الكاتب وختمه واتصلت بمثله كتبه ؛ جاز أن يقبله ، ويعمل بما تضمنه ، احتجاجا بأمرين :

أحدهما : أن كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كانت مقبولة ، يعمل بما فيها من غير شهادة . والثاني : أن عرف الحكام بقبولها مستفيض ، لتعذر الشهادة بها ، وسكون النفس إلى صحتها .

[ ص: 214 ] والدليل على فساد ما ذهبوا إليه ما روي أن رجلا ادعى على رجل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حقا غائبا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " شاهداك ، أو يمينه " فجعل الحكم مقصورا على الشهادة دون الكتاب .

ولأن نقل ما غاب عن القاضي لا يثبت إلا بالشهادة دون الخط قياسا على خطوط الشهود إذا كتبوا إلى القاضي بشهادتهم لم يحكم بها ، كذلك كتب القضاة .

ولأن الخطوط تشتبه ، والتزوير على أمثالها ممكن ، فلم يجز مع هذا الاحتمال أن يعمل بها مع إمكان ما هو أحوط منها ، كما لم يجز أن تقبل شهادة الأعمى : لأنه قد يجوز أن تشتبه عليه الأصوات ، وعدل عنه إلى شهادة البصير لانتفاء الاشتباه عنه .

ولأن ما أمكن العمل فيه بالأقوى لم يجز العمل فيه بالأضعف ، كالشهادة على العقود ، لما أمكن أن تسمع من الشاهد لم يجز أن تسمع من المخبر .

فأما الجواب عن كتب رسول صلى الله عليه وسلم فمن وجهين :

أحدهما : أنها كانت ترد مع رسل يشهدون بها .

والثاني : أنها تجري مجرى الأخبار التي يخف حكمها لعمومها في التزامها والشهادة محمولة على الاحتياط تغليظا لالتزامها .

وأما الجواب عن دعوى الاستفاضة فهو أنه غير مسلم ثم هي استفاضة فعل مخصوص ، وليس باستفاضة اعتقاد عام .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث