الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

فصل [ الصحابة نهوا عن القياس أيضا ]

وأما الصحابة رضي الله عنهم فقد قال أبو هريرة لابن عباس : إذا جاءك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تضرب له الأمثال .

وفي صحيح مسلم من حديث سمرة بن جندب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { أحب الكلام إلى الله - عز وجل - أربع } ، فذكر الحديث ، وفي آخره { ، لا تسمين غلامك يسارا ولا رباحا ولا نجيحا ولا أفلح ، فإنك تقول : أثم هو ؟ فيقال : لا ، إنما هن أربع فلا تزيدن علي } .

قالوا : فلم يجز سمرة أن ينهى عما عدا الأربع قياسا عليها ، وجعل ذلك زيادة فلم يزد على الأربع بالقياس التسمية بسعد وفرج وخير وبركة ونحوها ، ومقتضى قول القياسيين أن الأسماء التي سكت عنها النص أولى بالنهي ; فيكون إلحاقها بقياس الأولى أو مثله .

فإن قيل : فلعل قوله { ، إنما هن أربع فلا تزيدن علي } ، مرفوع من نفس كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، أو لعل سمرة أراد بها إنما حفظت هذه الأربع فلا تزيدن علي في الرواية .

قيل : أما السؤال الأول فصريح في إبطال القياس ، فإن المعنى واحد ، ومع هذا فخص النهي بالأربع ، وأما السؤال الثاني فقوله " إنما هن أربع " يقتضي تخصيص الرواية والحكم بها ، ونفي الزيادة عليها رواية وحكما ; فلا تنافي بين الأمرين .

[ ص: 192 ] وقال شعبة : سمعت سليمان بن عبد الرحمن قال : سمعت عبدة بن فيروز قال : { قلت للبراء بن عازب : حدثني ما كره أو نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أربع لا تجزئ في الأضاحي ، فذكر الحديث ، قال : فإني أكره أن تكون ناقصة القرن أو الأذن ، قال : فما كرهت منه فدعه ، ولا تحرمه على أحد } ، ولم يأذن له في القياس على الأربع ، ولم يقس عليها هو ولا أحد من الصحابة رضي الله عنهم .

وقال عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن ابن عباس قال : كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذرا ، فبعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه كتابه وأحل حلاله وحرم حرامه ; فما أحل فهو حلال ، وما حرم فهو حرام ، وما سكت عنه فهو عفو .

وقال عمر بن الخطاب : قد وضحت الأمور ، وتبينت السنة ، ولم يترك لأحد منكم متكلم إلا أن يضل عبد .

وقال ابن مسعود : من أتى الأمر على وجهه فقد بين له ، وإلا فوالله ما لنا طاقة بكل ما تحدثون ، ولو كان القياس من الدين لكان له ولغيره طاقة بقياس كل ما يرد عليهم على نظيره بوصف جامع شبهي ، وإذا كان القياسيون لا يعجزون عن ذلك فكيف الصحابة ؟ ولو كان القياس من الدين لكان الجميع مبينا ، ولما قسم ابن مسعود وغيره ما يرد عليهم إلى ما بينه الله وإلى ما لم يبينه ; فإن الله على قولكم قد بين الجميع بالنص والقياس .

فإن قيل : فهذا ينقلب عليكم ، فإنكم تقولون : إن الله - سبحانه - قد بين الجميع .

قلنا : ما بينه الله - سبحانه - نطقا فقد بين حكمه ، وما لم يبينه نطقا بل سكت عنه فقد بين لنا أنه عفو ، وأما القياسيون فيقولون : ما سكت عنه فقد بين أن حكمه حكم ما تكلم به ، وفرق عظيم بين الأمرين ، ونحن أسعد بالبيان النطقي والسكوتي منكم لتعميمنا البيانين وعدم تناقضنا فيهما ، وبالله التوفيق .

وقد تقدم قول ابن مسعود : ليس عام إلا والذي بعده شر منه ، لا أقول عام أمطر من عام ، ولا عام أخصب من عام ، ولا أمير خير من أمير ، ولكن ذهاب خياركم وعلمائكم ، ثم يحدث قوم يقيسون الأمور برأيهم فينهدم الإسلام وينثلم .

وتقدم قول عمر : العلم ثلاثة : كتاب ناطق ، وسنة ماضية ، ولا أدري ، وقوله لأبي الشعثاء : لا تفتين إلا بكتاب ناطق ، أو سنة ماضية .

وقال سفيان الثوري : عن أبي إسحاق الشيباني قال : سمعت عبد الله بن أبي أوفى [ ص: 193 ] يقول : { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نبيذ الجر الأخضر ، قلت : فالأبيض ؟ قال : لا أدري } ، ولم يقل وأي فرق بين الأخضر والأبيض كما يبادر إليه القياسيون .

وقال الزهري : كان محمد بن جبير بن مطعم يحدث أنه كان عند معاوية في وفد من قريش ، فقام فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد فإنه بلغني أن رجالا منكم يتحدثون أحاديث ليست في كتاب الله ، ولا تؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأولئك جهالكم . ومعلوم أن القياس خارج عن كليهما .

وتقدم قول معاذ : تكون فتن يكثر فيها المال ، ويفتح القرآن ، حتى يقرأه الرجل والمرأة والكبير والصغير والمؤمن والمنافق ، ويقرأه الرجل فلا يتبع ، فيقول : والله لأقرأنه علانية ، فيقرأه علانية فلا يتبع ، فيتخذ مسجدا ويبتدع ، فكل ما ليس من كتاب الله ولا من سنة رسول الله فإياكم وإياه فإنها بدعة وضلالة .

وقال عبد العزيز بن المطلب : عن ابن مسعود : إنكم إن عملتم في دينكم بالقياس أحللتم كثيرا مما حرم عليكم وحرمتم كثيرا مما أحل لكم .

وقال الأوزاعي : عن عبدة بن أبي لبابة عن ابن عباس : من أحدث رأيا ليس من كتاب الله ولم تمض به سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدر على ما هو منه إذا لقي الله - عز وجل - .

وقال أبو حنيفة : حدثنا جرير عن مجاهد أن عمر نهى عن المكايلة ، يعني المقايسة .

وقال الأثرم : ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا جعفر بن غياث عن أبيه عن مجاهد قال : قال عمر : إياك والمكايلة ، يعني المقايسة .

وقال الأثرم : ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا حفص بن غياث عن الأعمش عن حبيب عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : قال عبد الله : يا أيها الناس إنكم ستحدثون ويحدث لكم ، فإذا رأيتم محدثا فعليكم بالأمر الأول .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث