الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


نسخ الشاهدين الكتاب .

مسألة : قال الشافعي : ! وينبغي أن يأمرهم بنسخه كتابة في أيديهم ويوقعوا شهاداتهم فيه .

قال الماوردي : وهذا صحيح ، وهو الأحوط في كتب القضاة ، أن يكون الكتاب على نسختين :

إحداهما : مع الطالب مختومة والأخرى مع الشاهدين مفضوضة يتدارسانها ، ليحفظا ما فيها ، وتكون التي مع الطالب محفوظة بالختم حتى إن ضاعت إحدى النسختين ، أو كلاهما ، أمكن الشاهدان إذا حفظا ما في الكتاب أن يشهدا بما فيه .

فإن اقتصر القاضي في الكتاب على نسخة واحدة جاز ، وله فيه حالتان :

إحداهما : أن يدفع الكتاب إلى الشاهدين دون الطالب ، فيجوز وهو مخير بين ختمه وتركه والأولى أن لا يختمه إذا كان معهما ليتدارساه ويحفظا ما فيه حتى يشهدا به لفظا إن ضاع منهما .

والحال الثانية : أن يدفع القاضي الكتاب إلى الطالب دون الشاهدين ، فعلى القاضي من الاحتياط فيه أن يختمه بخاتمه وعلى الشاهدين من الاحتياط في الشهادة به أن يوقعا فيه خطهما ويختماه بختمهما ، ليكون ذلك علامة لهما في نفس الارتياب عنهما ، ويكون ختمهما في داخل الكتاب وختم القاضي على ظهره معطوفا .

فإن اقتصر الشاهدان على الخط دون الختم جاز ، وإن تركا زيادة الاحتياط . فإذا وصل الطالب والشاهدان إلى القاضي المكاتب ، تفرد الطالب بخطابه دون الشاهدين ، وكان أول كلامه مستعديا إليه ، ولم يكن مدعيا عنده ، فيقول : أنا أستعديك على فلان في حق لي عليه ، أو في يده وقد منعني منه .

ويجوز أن يقتصر على هذا القول ، ولا يذكر الكتاب ولا حضور الشهود ولا يصف الحق ولا يذكر قدره ؛ لأنه مجلس استعداء وليس مجلس دعوى ، ويسأله إحضار خصمه .

[ ص: 229 ] فإذا حضر جدد الطالب الدعوى ، ووصفها ، وسأل القاضي الخصم المطلوب عنها .

فإن اعترف بها ، وأقر لم يحتج الطالب إلى إيصال الكتاب ، وحكم له بإقرار المطلوب .

وإن أنكر عرفه الطالب أن حقه عليه قد ثبت عند القاضي فلان وهذا كتابه إليك بثبوته عنده ، وكان الطالب هو المباشر لتسليم الكتاب من يده إلى القاضي ويذكر له حضور شهوده .

فإذا وقف القاضي على عنوانه وختمه ، سأل الشاهدين عنه قبل فضه سؤال استخبار لا سؤال شهادة .

فإذا أخبراه أنه كتاب القاضي إليه فضه وقرأه .

والأولى أن يفضه ويقرأه بمحضر من الخصم المطلوب فإن قرأه بغير محضر منه جاز .

ومنع أبو حنيفة من جواز فضه وقراءته قبل حضور الخصم المطلوب .

وهذا عندنا عدول عن الأولى ، وليس بعدول عن الواجب ، لأنه لا يتعلق بالقراءة حكم ولا إلزام ويبنيه أبو حنيفة على أصله في المنع من القضاء على الغائب .

فإذا قرأه القاضي سأل الشاهدين عما فيه سؤال استشهاد لا سؤال استخبار ، لأن بهذه الشهادة يجب الحكم بما في الكتاب .

ولا يجوز أن يكون هذا إلا عند حضور الخصم المطلوب لأنها شهادة عليه بحق وجب عليه .

وهذا بخلاف الأول ؛ لأن الأول استخبار كانا فيه مخيرين ، والثاني استشهاد كانا فيه شاهدين . ويجوز أن يكون الخصم غائبا عند الاستخبار ويجب أن يكون حاضرا عند الاستشهاد .

فلو اقتصر القاضي على الاستشهاد دون الاستخبار جاز ، ولو اقتصر على الاستخبار دون الاستشهاد لم يجز لاختصاص الحكم بالشهادة دون الخبر .

والأولى بالقاضي أن يجمع بينهما ، على ما وصفنا ليكون الاستخبار لاستباحة قراءته والاستشهاد لوجوب الحكم به .

[ ص: 230 ] شهادة النساء في تحمل كتب القضاة .

ولا يقبل في تحمل كتب القضاة وأدائها شهادة النساء ، وإن تضمنت من الحقوق ما تقبل فيها شهادة النساء .

وجوز بعض العراقيين قبول شهادتهن فيها إذا تضمنت ما تقبل فيه شهادتهن من الأموال .

وهذا زلل ، من وجهين :

أحدهما : أنها شهادة بحكم وليست بمال .

والثاني : أنها مجراة مجرى الشهادة على الشهادة التي لا يقبلن فيها ، فلم يقبلن فيما أجري مجراها .

تنفيذ حكم الكتاب .

فإذا تمت الشهادة عند القاضي بصحة الكتاب وقبله بالشاهدين ، وقع بخطه فيه بالقبول وحكم به على الخصم المطلوب .

فإن كان الكتاب بملك عين قائمة ، من أرض أو دار ، جاز أن يعيد الكتاب إلى الطالب المستحق لها ليكون حجة باقية في يده .

فإن سأله الطالب الإشهاد على نفسه فيه بقبوله ، والحكم بمضمونه ، لزمه الإشهاد به على نفسه .

وإن كان الكتاب بدين في الذمة فاستوفاه القاضي لطالبه ومستحقه لم يجز أن يعيد الكتاب إلى الطالب : لأنه قد سقط حقه فيه باستيفاء له .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث