الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الدعوى على المجهول والقضاء على الغائب

الدعوى على المجهول ، والقضاء على الغائب .

مسألة : قال الشافعي : " وإن أنكر المكتوب عليه لم يأخذه به حتى تقوم بينة بأنه هو فإذا رفع في نسبه فقامت عليه بينة بهذا الاسم والنسب والقبيلة والصناعة أخذ بذلك الحق وإن وافق الاسم والقبيلة والنسب والصناعة فأنكر المكتوب عليه لم يقض عليه حتى يبان بشيء لا يوافقه فيه غيره " .

قال الماوردي : وأصل هذا أن الحكم إنما يتوجه على معروف ، يتميز عن غيره ، إما بعينه ، وإما باسمه ونسبه لأن الجهالة بمن عليه الحق تمنع من تحقيق الإلزام .

فأما المعروف بعينه دون اسمه ونسبه ، فلا يمكن الحكم عليه إلا مع حضوره ولا تكون الجهالة باسمه ونسبه مانعة من نفوذ الحكم عليه .

وأما المعروف باسمه ونسبه ، فهو الذي يتوجه الحكم عليه في حضوره وغيبته . فإذا ثبت عليه عند القاضي حق وهو حاضر ، استوفاه منه لمستحقه ولم يكتب به إلى غيره .

فإن غاب قبل دفع الحق الذي حكم به عليه ، استحق الطالب أن يتنجز كتابه [ ص: 236 ] بالحكم إلى قاضي البلد الذي صار إليه المطلوب ليستوفي المكاتب منه حق الطالب . وإن ثبت الحق على المطلوب وهو غائب جاز للقاضي أن يسمع البينة عليه مع غيبته باتفاق ، من جوز القضاء على الغائب ومن لم يجوزه لأن سماع البينة إثبات حق يفضي إلى الحكم ، وليس بحكم ، فصار كالشهادة على الشهادة في جوازها مع غيبة المشهود عليه .

فإن حضر لم يلزم إعادة الشهادة عليه بمشهده .

وأوجب أبو حنيفة إعادتها إذا حضر .

فإذا كتب القاضي بثبوت ذلك عنده كان المكاتب هو الحاكم به والكتاب بينة بثبوته .

وإن أراد القاضي بعد ثبوت الحق عنده أن يحكم به على الغائب جاز عند الشافعي وعند من يرى القضاء على الغائب ، ولم يجز عند أبي حنيفة وعند من لا يرى القضاء على الغائب .

وإذا كان كذلك ، وأراد أن يكتب القاضي بثبوته ، ونفوذ حكمه ، فلجواز مكاتبة القاضي به إذا كان الحق في الذمة وثبوته بالبينة شرطان :

أحدهما : أن تثبت عنده عدالة الشهود ، فإن لم تثبت عدالتهم لم ينفذ حكمه .

والشرط الثاني : أن يحلف الطالب قبل حكمه له أنه ما قبض الحق ولا شيئا منه .

وكذلك كل حكم أراد أن يحكم به على من لا يجيب عن نفسه من صغير أو مجنون أو ميت أو غائب لم يجز أن يمضي الحكم عليه إلا بعد إحلاف الطالب بالله ما قبض الحق ، ولا شيئا منه ولا أبرأه منه ، ولا من شيء منه ، ولا يرى إليه منه ، ولا من شيء منه ، وإن حقه لثابت عليه .

وأقل ما يجزيه أن يحلفه أن حقه هذا لثابت عليه .

فيجوز مع هذين الشرطين أن يكتب إلى القاضي بحكمه على الغائب .

ويلزم القاضي فيما يكتب به من القضاء على الغائب شرطان :

أحدهما : أن يرفع في اسمه ونسبه ، وذكر قبيلته وصناعته ، بما يتميز به عن غيره .

والثاني : أن يذكر فيه إن كان بثبوت الحق عنده بالبينة أن الشهود عليه قد عرفوه بعينه واسمه ونسبه .

وهو في تسمية الشهود في كتابه بين أمرين : إن شاء سماهم وهو أولى عندنا [ ص: 237 ] وأحوط للمحكوم عليه ، وإن شاء لم يسمهم ، وهو أولى عند أهل الكوفة ، وأحوط للمحكوم له .

فإن لم يسمهم ، قال : شهد به عندي رجلان حران عرفتهما بما يجوز به قبول شهادتهما .

وإن سماهم قال : شهد به عندي فلان وفلان وقد ثبت عندي عدالتهما .

فإن لم يذكر ثبوت عدالتهما عنده وذكر الحكم بشهادتهما ، فهل يكون تنفيذه للحكم بشهادتهما تعديلا منه لهما ؟ على وجهين ذكرناهما .

وإن كان الحكم على الغائب بإقراره ذكر في كتابه : أنه أقر عندي طوعا في صحة منه وجواز أمر ، لأن إقرار المكره ومن لا يجوز أمره من الصغير والسفيه غير لازم .

فإن اقتصر في كتابه على الحكم عليه بإقراره ، ولم يقل طوعا في صحة منه وإجواز أمر ، فهل يقوم حكمه عليه مقام ذكره لذلك أم لا ؟ على وجهين كالحكم بالشهادة هل يقوم مقام ذكره للعدالة .

وإن كان الحكم على الغائب بنكوله ويمين الطالب ، ذكره القاضي مشروحا في كتابه .

فيصير الحق ثابتا على الغائب من أحد ثلاثة أوجه :

أحدهما : بإقراره ، وهو أقوى .

والثاني : بنكوله ويمين الطالب ، هو أضعف .

والثالث : بالشهادة على إقراره ، وهو أوسط .

فإن ذكر القاضي في كتابه ما حكم به عليه من هذه الوجوه الثلاثة فهو الصحيح النافي للتهمة .

وإن لم يذكر في كتابه ما حكم به منها وقال : ثبت عليه عندي بما تثبت بمثله الحقوق ، ففي جوازه وجهان :

أحدهما : يجوز ؛ لأن كل واحد من الثلاثة تثبت به الحقوق .

والوجه الثاني : لا يجوز ؛ لاختلاف أحكامهما : لأنه في الإقرار لا تسمع منه البينة في الأعيان وتسمع منه البينة في النكول ، وتتعارض به البينة في الشهادة ، فترجح بوجود اليد عندنا ، وترجح بعدمها عند أبي حنيفة .

فإذا اختلف الحكم بالحق في جنبة المحكوم عليه في كل واحد من الوجوه الثلاثة لم يجز للقاضي إغفال ذكرها لما فيه من إسقاط حجة المحكوم عليه .

[ ص: 238 ] وينبغي للقاضي أن يكتب بعد إنفاذ حكمه أنه قد جعل كل ذي حق وحجة على ما كان له من حق وحجة فهذا ما تقتضيه شروط كتاب القاضي إلى القاضي في الحكم على الغائب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث