الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

المتمتع الذي يجب عليه الصوم أو الهدي

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

وأما قولنا - : والمتمتع الذي يجب عليه الصوم أو الهدي هو من ابتدأ عمرته بأن يحرم لها في أحد أشهر الحج لا قبل ذلك أصلا ، ويتم عمرته ثم يحج من عامه سواء رجع فيما بين ذلك إلى الميقات أو إلى منزله أو إلى أفق أبعد من منزله ، أو مثله أو أقرب منه ، أو أقام بمكة ، اعتمر فيما بين ذلك عمرا كثيرة أو لم يعتمر ; فإن أحرم بالعمرة قبل هلال شوال فليس بمتمتع ، ولا هدي عليه ، ولا صوم إن حج من عامه ، أقام بمكة أو لم يقم عمل بعض عمرته أكثرها أو أقلها في أشهر الحج ، أو لم يعمل منها شيئا في أشهر الحج إلا أن يعتمر بعد ذلك من أشهر الحج فيكون متمتعا - : فإن الناس اختلفوا في هذا - : فقالت طائفة : كما روينا من طريق حماد بن سلمة نا إسحاق بن سويد قال : سمعت ابن الزبير يقول : أيها الناس إن المتمتع ليس بالذي تصنعون يتمتع أحدكم بالعمرة قبل الحج ، ولكن الحاج إذا فاته الحج أو ضلت راحلته أو كسر حتى يفوته الحج فإنه يجعلها عمرة ، وعليه الحج من قابل ، وما استيسر من الهدي .

ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن ابن أبي نجيح عن عطاء قال : كان ابن الزبير يقول : المتعة لمن أحصر .

وقالت طائفة : المتمتع هو من اعتمر في أي - أشهر السنة كانت عمرته قبل أشهر الحج أو في أشهر الحج ، ثم أقام حتى حج من عامه ، فهذا عليه الهدي أو الصوم ; وكذلك من اعتمر في أشهر الحج ثم أقام حتى حج من عامه أو لم يحج فعليه الهدي أو الصوم - : روينا من طريق وكيع نا سفيان الثوري عن ليث بن أبي سليم عن طاوس قال : إذا أهل بالعمرة في أشهر الحج فعليه الهدي ، وإن لم يحج .

ومن طريق عبد الرزاق نا سفيان الثوري عن ليث عن عبد الله بن طاوس عن أبيه قال : إن اعتمر في غير أشهر الحج ثم أقام إلى الحج فهو متمتع .

[ ص: 163 ] ومن طريق وكيع عن سفيان عن ابن طاوس عن أبيه قال : إذا خرج المكي إلى الميقات فاعتمر منه فعليه الهدي .

وقالت طائفة : ليس المتمتع إلا من أهل بالعمرة في أشهر الحج ثم أقام بمكة حتى حج من عامه فإن رجع إلى أهله بين العمرة والحج فليس متمتعا .

روينا من طريق وكيع نا العمري عن نافع عن ابن عمر عن عمر بن الخطاب قال : إذا أهل بالعمرة في أشهر الحج ثم أقام حتى يحج فهو متمتع ، وإذا رجع إلى أهله ثم حج فليس متمتعا .

ومن طريق ابن أبي شيبة نا وكيع ، وحفص بن غياث قال حفص : عن يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر ، وقال وكيع : عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قالا جميعا : من اعتمر في أشهر الحج ثم رجع فليس بمتمتع ، ذاك من أقام ولم يرجع .

وبه إلى وكيع نا سفيان الثوري عن المغيرة ، ويحيى بن سعيد الأنصاري قال المغيرة : عن إبراهيم النخعي ، وقال يحيى : عن سعيد بن المسيب قالا جميعا : مثل قول عمر .

وقالت طائفة : المتمتع هو من أهل بالعمرة في أشهر الحج لا قبلها ، ثم أقام بمكة حتى حج من عامه ، فإن خرج بين العمرة والحج إلى ما تقصر فيه الصلاة من مكة فليس متمتعا .

روينا من طريق عبد الرزاق نا سفيان الثوري عن ليث عن عطاء قال : ليس بمتمتع حتى يعتمر في أشهر الحج .

ومن طريق وكيع نا سفيان الثوري عن ابن جريج قال : قال عطاء عمرته في الشهر الذي يهل فيه فإذا سافر سفرا تقصر فيه الصلاة فليس بمتمتع .

ومن طريق وكيع نا سفيان عن ليث عن عطاء فيمن أهل بالعمرة في أشهر الحج ثم لم يحج من عامه ؟ قال : لا شيء عليه .

وقالت طائفة : إن المتمتع من طاف في أشهر الحج ، ثم حج من عامه ، روي ذلك [ ص: 164 ] من طريق سفيان عن بعض أصحابه عن إبراهيم النخعي قال : عمرته في الشهر الذي يطوف فيه .

ومن طريق عبد الرزاق عن هشام عن حفصة بنت سيرين قالت : أحرمنا بالعمرة في رمضان فقدمنا مكة في شوال فسألنا الفقهاء - والناس متوافرون - فكلهم قال : هي متعة .

ومن طريق عبد الرزاق عن عثمان بن مطر عن مطر بصلاته عن الحسن والحكم بن عتيبة فيمن أهل في رمضان وطاف في شوال قالا جميعا : عمرته في الشهر الذي طاف فيه .

وعن عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن المغيرة عن إبراهيم قال : إذا رجع إلى أهله قبل أن يحج وبعد أن اعتمر في أشهر الحج فليس متمتعا ; فإن أقام حتى يحج فهو متمتع ، وهو كله قول سفيان .

وقالت طائفة : إن أحرم بالعمرة في رمضان فدخل الحرم قبل هلال شوال فليس متمتعا ، وإن دخل الحرم بعد هلال شوال فهو متمتع إذا حج من عامه .

كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر ، وابن جريج قال معمر : عن ابن أبي نجيح عن عطاء ، وقال ابن جريج : عن عطاء قال : إذا دخل المحرم الحرم قبل أن يرى هلال شوال فليس متمتعا ، وإن دخل الحرم بعد أن يرى هلال شوال فهو متمتع إذا مكث إلى الحج - وهو قول الأوزاعي .

وقالت طائفة مثل قولنا - : كما روينا من طريق مالك عن عبد الله بن دينار قال : سمعت ابن عمر يقول : من اعتمر في أشهر الحج في شوال أو ذي القعدة أو في ذي الحجة قبل الحج فقد استمتع ، ووجب عليه الهدي ، أو الصيام إذا لم يجد هديا - : ومن طريق عبد الرزاق عن سيف عن يزيد الفقير أن قوما اعتمروا في أشهر الحج ثم خرجوا إلى المدينة فأهلوا بالحج ؟ فقال ابن عباس : عليهم الهدي .

ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء في من قدم في غير أشهر الحج معتمرا ثم بدا له أن يعتمر في أشهر الحج ؟ قال : لا يكون متمتعا حتى يأتي من ميقاته في أشهر الحج ، قلت له : أرأي أم علم ؟ قال : بل علم .

[ ص: 165 ] قال أبو محمد : إنما وافقنا عطاء في أنه لا يكون المتمتع إلا من أحرم في أشهر الحج لا في قوله : إن من قدم في غير أشهر الحج محرما ثم اعتمر ثم حل ثم اعتمر في أشهر الحج أنه ليس متمتعا ، بل هو متمتع إن حج من عامه ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال : عمرته في الشهر الذي أهل فيه .

ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم ، وأبو عوانة ، قال أبو عوانة : عن قتادة عن سعيد بن المسيب ، وقال هشيم : أنا يونس عن الحسن ، ثم اتفق الحسن وسعيد قالا : في المتمتع عليه الهدي ، وإن رجع إلى بلاده .

وقالت طائفة [ أخرى ] : إن أحرم في غير أشهر الحج فطاف من عمرته أربعة أشواط ثم أهل هلال شوال فأتم عمرته ثم أقام بمكة أو لم يقم إلا أنه لم يرجع إلى بلده أو أهل بعمرته كذلك في أشهر الحج ، ولم يكن من أهل المواقيت ، فما دونها فهو متمتع عليه الهدي أو الصوم ، فإن أهل بعمرته في غير أشهر الحج ، وطاف من عمرته ثلاثة أشواط ، ثم أهل هلال شوال فليس متمتعا - وهو قول أبي حنيفة ، ووافقه أبو يوسف على ذلك إلا أنه قال : إذا رجع إلى ما وراء ميقات من المواقيت فليس متمتعا ، وقالوا : من كان متمتعا ولا هدي معه فإنه يحل إذا أتم عمرته ، فإن كان أتى بهديه فإنه لا يحل حتى يحل من الحج يوم النحر ، فإن حل فعليه هدي آخر لإحلاله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث