الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 24 ] باب شهادة القاذف

مسألة : قال الشافعي رحمه الله : " أمر الله تبارك وتعالى أن يضرب القاذف ثمانين ، ولا تقبل له شهادة أبدا ، وسماه فاسقا إلا أن يتوب ، فإذا تاب قبلت شهادته ، ولا خلاف بيننا في الجرمين قديما وحديثا في أنه إذا تاب قبلت شهادته " .

قال الماوردي : اعلم أن للقاذف بالزنى حالتين :

إحداهما : إن تحقق قذفه في الأجنبي والأجنبية يكون بأحد أمرين : إما بإقرار المقذوف بالزنى ، وإما بقيام البينة عليه بفعل الزنى ، وتحققه في الزوجة يكون مع هذين الأمرين بثالث وهو اللعان ، فإذا حقق قذفه بما ذكرنا كان على حاله قبل القذف في عدالته وقبول شهادته ، وأن لا حد عليه لقذفه .

والحال الثانية : أن لا يحقق قذفه ببينة ولا تصديق ولا لعان ، فيتعلق بقذفه ثلاث أحكام :

أحدها : وجوب الحد ثمانين جلدة .

والثاني : فسقه المسقط لعدالته .

والثالث : أن لا يقبل له شهادة أبدا ما لم يتب ، وهذه الأحكام الثلاثة مأخوذة نصا من قول الله تعالى : والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون [ النور : 4 ] ، ويكون القذف هو الموجب لهذه الأحكام الثلاثة من الجلد ، والفسق ، ورد الشهادة .

قال أبو حنيفة : إن القذف موجب للجلد وحده ، فأما الفسق ، ورد الشهادة ، فيتعلق بالجلد دون القذف ، فيكون على عدالته ، ويجوز أن تقبل شهادته ما لم يجلد ، فإذا جلد فسق ولم تقبل شهادته أبدا ، استدلالا بأنه قبل الجلد متعرض لتحقيق القذف وسقوط الجلد ، فلم يستقر حكم القذف إلا بالجلد .

[ ص: 25 ] والدليل على فسقه ، ورد شهادته بالقذف دون الجلد - قول الله تعالى : والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون [ النور : 4 ] ، فعلق على القذف ثلاثة أحكام : الجلد ، والفسق ، ورد الشهادة ، فلما تعلق الجلد بالقذف وجب أن يكون ما ضم إليه وقرن به متعلقا بالقذف ، ولأن الجلد تطهير وتكفير ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " الحدود كفارات لأهلها " فلم يجز أن يكون تكفير ذنبه موجبا لتغليظ حكمه .

ولأن فسقه ورد شهادته إنما يتعلق بفعله لا بفعل غيره ، والقذف من فعله ، والجلد من فعل غيره . ولأنه لما فسق بالسرقة دون القطع ، وبالزنى دون الحد ، وجب أن يكون القذف بمثابتهما ، لأن الحدود موضوعة لاستيفاء الحقوق وبه يقع الانفصال عن استدلاله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث