الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : وقوله شهيدين من رجالكم يدل على إبطال قول من قال تجوز شهادة الصبيان في الجراح ما لم يتفرقوا فإن قال أجازها ابن الزبير فابن عباس ردها .

قال الماوردي : قد ذكرنا أن البلوغ شرط في قبول الشهادة ، فلا تقبل شهادة الصبيان بحال في قليل ولا كثير من مال ، ولا جراح وهو قول الجمهور .

وقال مالك : تقبل شهادة الصبيان بعضهم على بعض في الجراح دون غيرها ما لم يتفرقوا ، فإن تفرقوا لم تقبل .

وبه قال عبد الله بن الزبير .

وحكي عن الحسن البصري أنه أجاز شهادتهم في الموضحة ، والسن فما دون ، ولم يجزها فيما زاد ، احتجاجا بقضاء عبد الله بن الزبير بشهادتهم في الجراح ما لم يتفرقوا .

قال ابن أبي مليكة : فخالفه عبد الله بن عباس ، وصار الناس إلى قضاء عبد الله بن الزبير ، فكان إجماعا ، ولأن الشهادة معتبرة بحال الضرورة ، كما أجيزت شهادة النساء المنفردات في الولادة ، لأنها حالة لا يحضرها الرجال ، كذلك اجتماع الصبيان في لعبهم ، وما يتعاطون من رميهم لا يكاد يحضرهم الرجال ، فجاز للضرورة أن تقبل [ ص: 60 ] شهادة بعضهم على بعض قبل افتراقهم ، لانتفاء التهمة عنهم ، ولم يجز بعد افتراقهم لتوجه التهمة إليهم ، والدليل على رد شهادتهم قول الله تعالى : واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء [ البقرة : من الآية 282 ] ، فدلت هذه الآية على المنع من قبول شهادة الصبيان من ثلاثة أوجه :

أحدها : قوله : من رجالكم وليس الصبيان من الرجال .

والثاني : أنه لما عدل عن الرجلين إلى أن قال : فرجل وامرأتان دلت على أنه لا يعدل إلى غيرهم من الصبيان .

والثالث : أنه قال : ممن ترضون من الشهداء وليس الصبيان ممن يرضى من الشهداء .

وروى علي بن أبي طالب ، عليه السلام ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " رفع القلم عن ثلاث : عن الصبي حتى يحتلم ، وعن النائم حتى ينتبه ، وعن المجنون حتى يفيق " فلما كان القلم مرفوعا عنه في حق نفسه إذا أقر ، كان أولى أن يرفع في حق غيره ، إذا شهد ، ولأن الشهادة في الأموال أخف منها في الدماء ، وهي غير مقبولة منهم في الأموال ، فأولى أن لا تقبل في الدماء .

ولأنه لو جاز لأجل اعتزالهم عن الرجال أن تقبل شهادة بعضهم على بعض ، لجاز لأجل اجتماع النساء في الحمامات والأعراس ، أن تقبل شهادة بعضهن على بعض ، وهي لا تقبل مع الضرورة مع جواز قبولهن مع الرجال في الأموال ، فالصبيان الذين لا تقبل شهادتهم مع الرجال ، فأولى أن لا تقبل في الانفراد ، وبه يبطل استدلالهم .

وقضاء ابن الزبير مع خلاف ابن عباس يمنع من انعقاد الإجماع . والقياس مع ابن عباس ، لأن كل من لم تقبل شهادته في الأموال لم تقبل في الجراح ، كالفسقة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث