الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

فصل :

[ القياس يعارض بعضه بعضا ]

قالوا : ولو كان القياس حجة لما تعارضت الأقيسة ، وناقض بعضها بعضا ، فترى كل واحد من المتنازعين من أرباب القياس يزعم أن قوله هو القياس ، فيبدي منازعه قياسا آخر ويزعم أنه هو القياس ، وحجج الله وبيناته لا تتعارض ، ولا تتهافت .

قالوا : فلو جاز القول بالقياس في الدين لأفضى إلى وقوع الاختلاف الذي حذر الله منه ورسوله ، بل عامة الاختلاف بين الأمة إنما نشأ من جهة القياس ، فإنه إذا ظهر لكل واحد [ ص: 197 ] من المجتهدين قياس مقتضاه نقيض حكم الآخر اختلف ، ولا بد ، وهذا يدل على أنه من عند غير الله من ثلاثة أوجه : أحدها صريح قوله تعالى : { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } .

الثاني : أن الاختلاف سببه اشتباه الحق وخفاؤه ، وهذا لعدم العلم الذي يميز بين الحق والباطل .

الثالث : أن الله - سبحانه - ذم الاختلاف في كتابه ، ونهى عن التفرق والتنازع ، فقال : { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه } وقال : { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات } وقال : { إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء } وقال : { وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم } وقال : { فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون } والزبر : الكتب ، أي كل فرقة صنفوا كتبا أخذوا بها وعملوا بها ودعوا إليها دون كتب الآخرين كما هو الواقع سواء ، وقال : { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه } قال ابن عباس : تبيض وجوه أهل السنة والائتلاف ، وتسود وجوه أهل الفرقة والاختلاف .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : { لا تختلفوا فتختلف قلوبكم } وقال : { اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم ، فإذا اختلفتم فقوموا } وكان التنازع والاختلاف أشد شيء على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان إذا رأى من الصحابة اختلافا يسيرا في فهم النصوص يظهر في وجهه حتى كأنما فقئ فيه حب الرمان ويقول : " { أبهذا أمرتم } ولم يكن أحد بعده أشد عليه الاختلاف من عمر رضي الله عنه ، وأما الصديق فصان الله خلافته عن الاختلاف المستقر في حكم واحد من أحكام الدين ، وأما خلافة عمر فتنازع الصحابة تنازعا يسيرا في قليل من المسائل جدا ، وأقر بعضهم بعضا على اجتهاده من غير ذم ولا طعن ، فلما كانت خلافة عثمان اختلفوا في مسائل يسيرة صحب الاختلاف فيها بعض الكلام واللوم ، كما لام علي عثمان في أمر المتعة وغيرها ، ولامه عمار بن ياسر وعائشة في بعض مسائل قسمة الأموال والولايات ، فلما أفضت الخلافة إلى علي - كرم الله وجهه - في الجنة صار الاختلاف بالسيف .

[ الاختلاف مهلكة ]

والمقصود أن الاختلاف مناف لما بعث الله به رسوله ، قال عمر رضي الله عنه : لا تختلفوا ; فإنكم إن اختلفتم كان من بعدكم أشد اختلافا . ولما سمع أبي بن كعب وابن مسعود يختلفان في صلاة الرجل في الثوب الواحد أو الثوبين صعد المنبر وقال : رجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم اختلفا ، فعن أي فتياكم يصدر المسلمون ؟ لا أسمع اثنين اختلفا بعد [ ص: 198 ] مقامي هذا إلا صنعت وصنعت .

وقال علي - كرم الله وجهه في الجنة - في خلافته لقضاته : اقضوا كما كنتم تقضون ، فإني أكره الخلاف ، وأرجو أن أموت كما مات أصحابي .

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هلاك الأمم من قبلنا إنما كان باختلافهم على أنبيائهم ، وقال أبو الدرداء وأنس وواثلة بن الأسقع : { خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نتنازع في شيء من الدين ، فغضب غضبا شديدا لم يغضب مثله ، قال : ثم انتهرنا ، قال : يا أمة محمد لا تهيجوا على أنفسكم وهج النار ، ثم قال : أبهذا أمرتم ؟ أو ليس عن هذا نهيتم ؟ إنما هلك من كان قبلكم بهذا } وقال عمرو بن شعيب عن أبيه عن ابني العاص أنهما قالا : { جلسنا مجلسا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه أشد اغتباطا ، فإذا رجال عند حجرة عائشة يتراجعون في القدر ، فلما رأيناهم اعتزلناهم ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم خلف الحجرة يسمع كلامهم ، فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضبا يعرف في وجهه الغضب ، حتى وقف عليهم ، وقال : يا قوم بهذا ضلت الأمم قبلكم ، باختلافهم على أنبيائهم ، وضربهم الكتاب بعضه ببعض ، وإن القرآن لم ينزل لتضربوا بعضه ببعض ، ولكن نزل القرآن يصدق بعضه بعضا ، ما عرفتم منه فاعملوا به ، وما تشابه فآمنوا به ثم التفت فرآني أنا وأخي جالسين ، فغبطنا أنفسنا أن لا يكون رآنا معهم } . قال البخاري : رأيت أحمد بن حنبل وعلي بن عبد الله والحميدي وإسحاق بن إبراهيم يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، وقال أحمد بن صالح : أجمع آل عبد الله على أنها صحيفة عبد الله .

[ ليس أحد القياسين أولى من الآخر ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث