الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " ولا تجوز شهادة جار إلى نفسه ولا دافع عنها " .

قال الماوردي : وهذا صحيح . لأن من شروط قبول الشهادة : أن يخلو من التهم ، لقوله تعالى : ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا [ البقرة : 282 ] . والتهمة ريبة .

وروى القاسم بن محمد ، عن ابن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين ولا ذي الإحنة " فالخصم المنازع ، والظنين : المتهم ، وذي الإحنة : العدو . فمن المتهومين في الشهادة وإن كانوا عدولا ، من يجر بشهادته إلى نفسه نفعا ، أو يدفع عنها ضررا . فلا تقبل شهادته .

فمن جر النفع ، أن يشهد السيد لعبده أو مكاتبه ، لأنه مالك لمالك عبده ، ومستحق أخذ المال من مكاتبه لجواز عوده إلى رقه .

ومنها أن يشهد الوكيل لموكله فيما هو وكيل فيه ، لجواز تصرفه فيه إذا ثبت ، فكان نفعا . وفي جواز شهادته له في غير ما هو وكيل فيه وجهان :

[ ص: 160 ] أحدهما : يجوز ، لعدم تصرفه فيه .

والوجه الثاني : لا يجوز ، لأنه قد صار بالنيابة عن ذي الحق متهوما ومنها شهادة الولي للمولى عليه ، لأنه قد قام مقامه في النيابة عنه .

ومنها شهادة الوصي للموصي بعد موته أو لأبيه على ما شهد به ، وتجوز شهادته له قبل موته لعدم ولايته .

ومنها شهادة " الموصى له بحق " للموصي " بعد موته " إذا كان له تعلق بحق وصيته . وتجوز شهادته له قبل موته لعدم ولايته ؟ فإن شهد له بما لا حق له فيه ، قبلت شهادته وجها واحدا . بخلاف الوكيل في أحد الوجهين ، لأن الوكيل قد يجوز أن يتقرب بشهادته إلى موكله ، والموصى له لا يتقرب بها إلى الموصي بعد موته ، فصار الوكيل متهوما والموصى له غير متهوم .

ومنها أن يكون للشاهد على المشهود له دين ، فيشهد له بدين على غيره ، فللمشهود له حالتان : موسر ، ومعسر .

فإن كان موسرا ، قبلت شهادته له ، لأنه لا يجر بها نفعا لوصوله إلى دينه من يساره .

وإن كان معسرا ، فله حالتان :

إحداهما : أن يحكم بفلسه ، فلا تقبل شهادته له . لأن ما شهد به من الدين صائر إليه . فصار نفعا يترحم به .

والحالة الثانية : أن لا يحكم بفلسه ، ففي قبول شهادته له وجهان :

أحدهما : وهو الأظهر أنها لا تقبل : لأنه يستحق بها مطالبة المعسر بدينه كالمحكوم بفلسه .

والوجه الثاني : قاله أبو حامد الإسفراييني : تقبل شهادته له وإن لم تقبل إذا حكم بفلسه . وفرقا بين المعسر والمحكوم بفلسه بأنه قد حكم له بمال التفليس ولم يحكم له بمال المعسر ، وهذا الفرق لا يمنع من تساويهما في غيره ، وهو وصوله إلى حقه بعد تعذره .

ومنها شهادة الشريك لشريكه ، فيما هو يشركه فيه ، لأنه يصير شاهدا لنفسه . فإن شهد له بما ليس بشريك ، جاز بخلاف الوكيل ، لأن للوكيل نيابة وليس للشريك نيابة . ولهذا نظائر تجري على حكمها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث