الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


القول في شهادة الزوجين :

مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " ولو كنت لا أجيز شهادة الرجل لامرأته لأنه يرثها ، ما أجزت شهادة الأخ لأخيه إذا كان يرثه " .

قال الماوردي : اختلف الفقهاء في شهادة كل واحد من الزوجين لصاحبه .

فذهب الشافعي - رحمه الله - إلى جوازها وقبول شهادة الزوج لزوجته . وقبول الزوجة لزوجها .

وقال النخعي وابن أبي ليلى : لا تقبل شهادة الزوجة لزوجها : لأنه إذا أيسر وجب لها عليه نفقة الموسرين . وتقبل شهادة الزوج لزوجته ، لأنه لا يجر بها نفعا .

وقال أبو حنيفة : لا تقبل شهادة كل واحد منهما لصاحبه ويشبه أن يكون قول مالك على قياس قوله في الصديق الملاطف .

[ ص: 167 ] احتجاجا بقوله تعالى : وجعل بينكم مودة ورحمة [ الروم : 21 ] . وذلك من موجبات الارتياب والتهمة .

وقالوا : ولأنه سبب لا يحجب من الإرث ، فوجب أن يمنع من الشهادة كالأبوة والبنوة .

قالوا : ولأن الميراث يستحق بنسب وسبب ، فلما كان في الأنساب ما يمنع من قبول الشهادة ، وجب أن يكون في الأسباب ما يمنع من قبول الشهادة .

وتحريره : أنه أحد نوعي ما يورث به ، فوجب أن يكون منه ما ترد به الشهادة كالنسب .

قالوا : ولأن اجتماعهما في المقام والظعن ، وامتزاجهما في الضيق والسعة ، واختصاصهما بالميل والمحبة ، قد جمع من أسباب الارتياب المانعة من قبول الشهادة ، فوجب أن ترد به الشهادة .

ودليلنا عموم قوله تعالى : واستشهدوا شهيدين من رجالكم [ البقرة : 282 ] . فوجب أن يكون على عمومه .

وروى مجالد ، عن الشعبي ، عن سويد بن غفلة ، أن يهوديا كان يسوق امرأة على حمار فنخسها فرمى بها ، فوقع عليها ، فشهد عليه زوجها وأخوها عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقبل شهادتهما . وقتله وصلبه .

وقال سويد بن غفلة : إنه لأول مصلوب صلب بالشام .

وليس لعمر مخالف في الصحابة مع انتشار القصة ، فثبت أنه إجماع لا مخالف له ولأن بينهما صلة لا توجب العتق ، فلم يمنع من قبول الشهادة ، كالعشيرة ولأنها حرمة حدثت عن صلة ، فلم تمنع من قبول الشهادة ، لآباء الزوجين وأبنائهما ، ولأنه عقد على منفعة ، فلم يوجب رد الشهادة كالإجارة .

ولأنه عقد معاوضة ، فلم يمنع من قبول الشهادة كالبيع .

فأما الجواب عن قوله تعالى : وجعل بينكم مودة ورحمة فهو أن المودة لا توجب رد الشهادة كالأخوين ، وعلى أنه قد يحدث بينهما تباغض وعداوة تزيد على الأجانب ، فلو جاز أن يكون هذا المعنى علة في المنع ، لفرق بين المتحابين والمتباغضين ، ولا فرق بينهما ، فبطل التعليل .

فأما الجواب عن تعليلهم بعدم الحجب عن الميراث ، قياسا على الآباء والأبناء ، فليس عدم الحجب عن الميراث علة في رد الشهادة ، لأننا نرد شهادة من لا يرث من [ ص: 168 ] الأجداد والجدات ، وإنما العلة البعضية الموجبة للعتق التي تجري على العموم ، فيمن ترد شهادته بالنسب ، فصار هو علة الحكم وهو معدوم في الزوجية فزال عنها حكمه .

وأما الجواب عن قياسهم على النسب ، بأنه أحد نوعي الميراث . فهو فاسد بالولاء . ثم ليس الميراث علة لما ذكرنا من أن في الوالدين والمولودين من لا يرث وشهادته مردودة ، والإخوة والأخوات والعصبات يرثون وشهادتهم مقبولة .

وأما الجواب عن استدلالهم باجتماع أسباب التهمة في رد الشهادة ، فهو أن انفراد كل واحد من هذه الأسباب لما لم توجب التهمة في رد الشهادة ، لم يضر اجتماعها موجبا للتهمة في رد الشهادة ، لأن الاجتماع في المقام والظعن لا يوجب رد الشهادة كالأصحاب : لأن الاجتماع في المودة والرحمة لا توجبها كالأصدقاء ، والامتزاج في الضيق والسعة لا توجبها كالخلع .

وأما ابن أبي ليلى فيقال له : ينتفع الزوج بيسار زوجته في وجوب نفقة ابنه عليها إذا أعسر بها ولا يوجب بذلك رد شهادته لها ، كذلك انتفاعها بيساره فيما يجب لها من نفقة الموسرين لا يوجب رد شهادتها له . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث