الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


القول في شهادة أهل الغناء :

مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " وإن كان يديم الغناء ويغشاه المغنون معلنا ، فهذا سفه ترد به شهادته ، وإن كان ذلك يقل لم ترد " .

قال الماوردي : والكلام في هذه المسألة يشتمل على فصلين :

أحدهما : في الغناء .

والثاني : في أصوات الملاهي .

وأما الغناء : فمن الصوت ممدود ، ومن المال مقصور ، كالهواء وهو من الجو ممدود ، ومن هوى النفس مقصور .

كتب إلي أخي من البصرة وقد اشتد شوقه للقائي ببغداد شعرا قال فيه :


طيب الهواء ببغداد يشوقني قدما إليها وإن عاقت مقادير     فكيف صبري عنها الآن إذ جمعت
طيب الهواءين ممدود ومقصور

اختلف أهل العلم في إباحة الغناء وحظره ، فأباحه أكثر أهل الحجاز وحظره أكثر أهل العراق .

وكرهه الشافعي وأبو حنيفة ومالك في أصح ما نقل عنهم ، فلم يبيحوه على الإطلاق ولم يحظروه على الإطلاق ، فتوسطوا فيه بالكراهة بين الحظر والإباحة .

واستدل من أباحه ، بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه مر بجارية لحسان بن ثابت تغني وهي تقول :


هل علي ويحكما     إن لهوت من حرج

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا حرج إن شاء الله
"

[ ص: 189 ] وروى الزهري ، عن عروة ، عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : كانت عندي جاريتان تغنيان ، فدخل أبو بكر ، فقال : أمزمور الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " دعهما فإنها أيام عيد " .

وقال عمر رضي الله عنه : " الغناء زاد المسافر " .

وكان لعثمان جاريتان تغنيان في الليل ، فإذا جاء وقت السحر قال : أمسكا فهذا وقت الاستغفار ، وقام إلى صلاته .

ولأنه لم يزل أهل الحجاز يترخصون فيه ويكثرون منه ، وهم في عصر الصحابة وجلة الفقهاء ، فلا ينكرونه عليهم ولا يمنعونهم منه إلا في إحدى حالتين :

إما في الانقطاع إليه ، أو الإكثار منه ، كالذي حكي أن عبد الله بن جعفر كان منقطعا إليه ، ومكثرا منه ، حتى بدد فيه أمواله ، فبلغ ذلك معاوية ، فقال لعمرو بن العاص : قم بنا إليه ، فقد غلب هواه على شرفه ومروءته ، فلما استأذنا عليه وعنده جواريه ، يغنين فأمرهن بالسكوت ، وأذن لهما في الدخول ، فلما استقر بهما الجلوس ، قال معاوية : يا عبد الله ، مرهن يرجعن إلى ما كن عليه ، فرجعن يغنين ، فطرب معاوية حتى حرك رجليه على السرير ، فقال عمرو : إن من جئت تلحاه أحسن حالا منك ، فقال معاوية : إليك عني يا عمرو ، فإن الكريم طروب .

وأما أن يكون في الغناء ما يكره كالذي روي عن سفيان بن عيينة ، وقد عاد ابن جامع إلى مكة بأموال جمة حملها من العراق ، فقال لأصحابه : علام لعطاء ابن جامع هذه الأموال ؟ فقالوا : على الغناء ، قال : " ابن جامع ماذا يقول فيه " ؟ قالوا : يقول :


أطـوف بالبيـت في مـن يطـوف     وأرفـع مـن مـئـزري المسبــل

قال : هي السنة ، ثم ماذا يقول ؟ قالوا :


وأسجـد بالليـل حتى الصباح     وأتلـو من المحكـم المنزل

قال : أحسن وأصلح ، ثم ماذا ؟ قالوا :


عسـى فـارج الهـم عن يوسـف     يسخـر لـي ربة المحمــل

قال : أفسد الخبيث ما أصلح لا سخر الله له .

[ ص: 190 ] واستدل من حظره بقوله تعالى : والذين لا يشهدون الزور [ الفرقان : 72 ] .

وفيه أربعة تأويلات : -

أحدها : الغناء . قاله مجاهد .

والثاني : أعياد أهل الذمة ، قاله ابن سيرين .

والثالث : الكذب ، قاله ابن جريج .

والرابع : الشرك ، قاله الضحاك رحمه الله .

وقال تعالى : وإذا مروا باللغو مروا كراما [ الفرقان : 72 ] . وفيه ثلاث تأويلات :

أحدها : إذا ذكروا الفروج والنكاح كنوا عنها .

والثاني : إذا مروا بالمعاصي أنكروها ، قاله الحسن .

والثالث : إذا مروا بأهل المشركين أنكروه ، قاله عبد الرحمن بن زيد .

وقاله تعالى : ومن الناس من يشتري لهو الحديث [ لقمان : 6 ] الآية . وفي " لهو " أربعة تأويلات :

أحدها : أنه الغناء ، قاله ابن مسعود ، وابن عباس ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، وقتادة .

والثاني : أنه شراء المغنيات .

وروى القاسم بن عبد الرحمن ، عن أبي أمامة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " لا يحل بيع المغنيات ، ولا شراؤهن ، ولا التجارات فيهن ، وأثمانهن حرام ، وفيهن أنزل الله تعالى ومن الناس من يشتري لهو الحديث " .

والثالث : أنه شراء الطبل والمزمار ، قاله عبد الكريم .

والرابع : أنه ما ألهى عن الله تعالى ، قاله الحسن .

وفي قوله تعالى : ليضل عن سبيل الله [ لقمان : 6 ] . تأويلان :

أحدهما : ليمنع من قراءة القرآن ، قاله ابن عباس .

والثاني : ليصد عن سبيل الله . حكاه الطبري .

وفي قوله " بغير علم " : تأويلان .

[ ص: 191 ] أحدهما : بغير حجة .

والثاني : بغير رواية .

وفي قوله تعالى : ويتخذها هزوا [ لقمان : 16 ] . تأويلان :

أحدهما : تكذيبا .

والثاني : استهزاء بها .

ومن السنة ما رواه ابن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : " الغناء ينبت النفاق في القلب ، كما ينبت الماء البقل " .

وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " الغناء نهيق الشيطان " .

وقال صلى الله عليه وسلم : " أنهاكم عن صوتين فاجرين : الغناء ، والنياحة " .

وقال بعض السلف : الغناء رقية الزنى .

وإذا تقابل بما ذكرنا ، دلائل الحظر والإباحة ، يخرج منها حكم الكراهة . فلم يحكم بإباحته ، لما قابله من دلائل الحظر والإباحة ، ولم نحكم بحظره لما قابله من دلائل الإباحة ، " فصار يتردده بينهما مكروها غير مباح ولا محظور .

وروي أن رجلا سأل ابن عباس عن الغناء : أحلال هو ؟ قال : لا ، قال : أحرام هو ؟ قال : لا ، يريد أنه مكروه لتوسطه بين الحلال والحرام . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث