الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 199 ] القول في شهادة أهل العصبية

مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " وليس من العصبية أن يحب الرجل قومه ، والعصبية المحضة ، أن يبغض الرجل لأنه من بني فلان ، فإذا أظهرها ، ودعا إليها ، وتألف عليها ، فمردود ، وقد جمع الله تبارك وتعالى المسلمين بالإسلام ، وهو أشرف أنسابهم ، فقال جل ثناؤه : " إنما المؤمنون إخوة " وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كونوا عباد الله إخوانا ، فمن خالف أمر الله عز وجل ، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم ردت شهادته .

قال الماوردي : وقد أمر الله تعالى المسلمين بالألفة والتناصر ، ونهاهم عن التقاطع والتدابر . وقال تعالى : إنما المؤمنون إخوة [ الحجرات : 10 ] . وقال تعالى : والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر [ التوبة : 71 ] .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم " أمتي كالبنيان يشد بعضه بعضا " وقال فيما نهاهم عنه من التقاطع : واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا [ آل عمران : 103 ] .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا تحاسدوا ، ولا تقاطعوا ، ولا تدابروا ، ولا تباغضوا ، وكونوا عباد الله إخوانا ، لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ، والسابق أسبقهما إلى الجنة " فكان هذا أصلا في الدين ، ليكونوا يدا على من خالفهم فيه ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : " المسلمون تتكافأ دماؤهم ، وهم يد على من سواهم ، ويسعى بذمتهم أدناهم " . ويشتمل الكلام في هذا الفصل على أربعة فصول :

أحدها : في المحبة .

والثاني : فيما يفضي إليه من المعصية .

والثالث : في البغض .

والرابع : فيما يفضي إليه من العداوة .

فأما الفصل الأول : في المحبة .

ونتحدث عن أسباب يكون بعضها مستحبا وبعضها مباحا وبعضها مكروها .

[ ص: 200 ] فأما المستحب : فهو المحبة في الدين ، وظهور الخير ، وما قرب من طاعة الله تعالى ، وباعد من معاصيه .

قال الله تعالى : كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر [ آل عمران : 110 ] .

ولذلك آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه من المهاجرين والأنصار .

فأما المباح : فهو المحبة على النسب وعلى التجانس في علم أو أدب ، وعلى ما أبيح من صناعة أو مكسب ، فهذا مباح تقوى به العدالة ولا تضعف به ، ولهذا النوع أراد الشافعي بقوله : وليس من العصبية أن يحب الرجل قومه " .

هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أعدل خلق الله ، وقد أحب قريشا لنسبه فيهم حتى خصهم بخلافته فقال : " الأئمة من قريش " .

وقال صلى الله عليه وسلم " قدموا قريشا ولا تتقدموها ، وتعلموا من قريش ولا تعالموها ، " وحمى لهم لما عادوا إلى المدينة من بدر ومعه من الأنصار سلامة بن وقش وقد سأله بعض أهل المدينة عمن لقيهم من المشركين ببدر ، فقال سلامة : وهل لقينا إلا عجائز صلعا ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " أولئك الملأ من قريش " ، فنفى عنهم العار مع كفرهم ومحاربتهم له .

وسمع شاعرا من حمير ينشده :


إني امرؤ حميري حين تنسبني لا من ربيعة آبائي ولا مضر

فقال صلى الله عليه وسلم : " ذاك أهون لقدرك وأبعد لك من الله " .

وأما المكروه : فهو المحبة على الموافقة في المعاصي ، فقال صلى الله عليه وسلم : المرء مع من أحب " فصار محب العاصي كالعاصي .

[ ص: 201 ] فأما المحبة لاستحسان الصور ، فإن كانت لهوى يفضي إلى ريبة ، كرهت وإن كانت لاستحسان صنع الله تعالى وبديع خلقه ، لم تكره وكانت بالمستحبة أشبه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث