الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الباب الثاني في أحكامها

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 128 ] الباب الثاني في أحكامها : وفي الجواهر : إذا فسدت وعثر عليها قبل الفوات بالعمل فسخت ، فإن فاتت به وقد دفع أرضه لمن يزرعها ببذره وعمله ، فالزرع للزارع ببذره وعليه لصاحب الأرض كراؤها وإن دفعت أرضك ، والعمل عليه ، وقلت : أخرج البذر وعلي نصفه امتنع ، لشرط السلف والزرع بينكما نصفان لضمانكما البذر نصفين وتكافئكما في غيره ، ويرجع بنصف الزريعة معجلا ، وقال سحنون : الزرع لمسلف البذر وعليه كراء الأرض قبض رب الأرض حصته من البذر أم لا ، إلا أن يكون أسلفه على غير شرط بعد صحة العقد فيجوز ، ولو دفعت بذرك ليزرعه في أرضه على النصف ، فعلى قول سحنون : الزرع لك وله أجرة عمله وكراء أرضه ، وفي قول ابن القاسم : الزرع له وعليه مكيلة البذر ، وإن أخرجت البذر والآخر الأرض وتكافأتما ما عداهما على أن الزرع بينكما نصفان فهو نصفان وعليك نصف كراء الأرض ، وعليه نصف مكيلة البذر ولا تراجع لعدم التكافئ ، قال أبو الوليد : إذا فاتت المزارعة الفاسدة بالعمل ستة أقوال ولم يخص وجها من وجوه الفساد ، أحدها الزرع لصاحب البذر وعليه كراء ما أخرجوه ، وثانيها الزرع لصاحب العمل ، وثالثها الزرع لمن اجتمع له شيئان ، أو انفرد بشيء ، فالزرع بينهم سواء لتساويهم ، فإن اجتمع لأحدهم شيئان منها ، فالزرع له دونهما وهو مذهب ابن القاسم ومحمد ، ورابعها الزرع لمن اجتمع له شيئان من ثلاثة : الأرض والبقر والعمل ، وخامسها الزرع لمن اجتمع له شيئان من أربعة : الأرض والبذر والبقر والعمل . وسادسها قال ابن حبيب : إذا سلمت المزارعة من كراء الأرض بما يخرج منها ، [ ص: 129 ] فالزرع على شرطهم ويتعادلوا فيما أخرجوه ، وإلا فهو لصاحب البذر ، ومنشأ الخلاف النظر إلى قوة السبب ، فمن اعتقد قوة سبب جعل الزرع لصاحبه ، وفي النوادر أخرجت الأرض ونصف البذر ، وآخر نصف البذر ، وثالث العمل على أن الزرع بينكم أثلاثا امتنع ، لمقابلة الأرض ببعض البذر والزرع بين العامل وبينك - على مذهب ابن القاسم ويغرمان الأجرة للآخر ، وعند سحنون هو لصاحبي الزريعة وعليهما كراء البقر والعمل ، قال ابن حبيب : الزرع بينهم أثلاثا ، قال محمد : أصل ابن القاسم أنه لمن ولي العمل إذا سلمت الأرض إليه ويعطى كراء الأرض ، فإن أخرجت الأرض وآخر البذر ، وآخر البقر وآخر العمل امتنع ، وهو لصاحب البذر وعليه كراء الثلاثة الأخر .

فرع : قال : إذا اختلفتما في حراث الزرع فهو عليكما والتفضيل والحصاد على قدر الأنصباء إلا أن يشترط في الأرض المأمونة ، وإلا امتنع لعدم الوثوق بفعله .

فرع : قال : قال ابن حبيب : تجوز مزارعة أرضك وإن لم تكن مأمونة كجواز كرائها بغير نقد فإذا لم ترو أو عطشت فمصيبتها منكما بخلاف المتكاريين ; لأن المكتري مشتر يجب التسليم له ، والشركة تقتضي التساوي في العوارض ، فإن استحقت الأرض بعد الزراعة في إبانها رجع المستحق على من كانت بيده الأرض بنصف قيمة كرائها ، قال سحنون : فإن أخرجت الأرض والبذر والآخر العمل والبقر فاستحقت الأرض بعد الزراعة في إبانها رجع المستحق عليك بنصف كرائها ، كأنه حرث له شريكك نصفها وآجره بالربع بنصفها وبنصف البذر ، فإن كانت قيمة نصف البذر وكراء نصفها معتدلا رجع عليك المستحق أيضا بربع قيمة عمل [ ص: 130 ] العامل وهو الذي أخذ في كراء نصف الأرض ، وإن اختلفت قيمة البذر وكراء نصف الأرض ، كان ذلك على هذا الحساب ، فإن كنت عديما اتبعك بنصف قيمة كراء الأرض ، واتبع شريكك بربع قيمة العمل ولو استحقت بعد فوات الزراعة ، فلا كراء له على واحد منكما ، ولو كان بعد الحرث وقبل الزرع ، فله أخذها ولا شيء للشريك في حرثها .

فرع : قال : أعطيت أرضك وبذرك وبقرك على أن تأخذ البذر وتقتسمان ، فادعى أن نصف البذر له صدق مع يمينه والزرع بينكما نصفان وتتراجعان الفضل ، قاله : ابن القاسم ، ولو أخرجت الأرض والآخر العمل ، والبذر بينكما فادعى الزارع أنه أسلفك نصف البذر صدق مع يمينه ; لأنه المباشر والزرع تحت يده ، وصاحب البذر مصدق والزرع بينكما لاعترافه بالشركة وتتراجحان الفضل قاله : ابن وهب ولو أعطيته أرضك حين القلب مناصفة يحرثها ، ثم رويت فقلت : عليك حرثها فخذ نصف الزريعة مني ، وقال : إنما حرثت الأرض على أن لي نصفها أحرثها لنفسي أو قال : اكتريتها صدق مع يمينه قاله ابن القاسم ; لأن الحرث عمله ويده عليه ، وإذا قلب أرضك وقلت وقت الزراعة شاركتك والأرض من عندي والعمل والقلب عليك والبذر بيننا نصفان ، قال : قلبتها على أن أقاسمك تزرع نصفها وأزرع نصفها ، أو قال : اكتريتها صدق لحوزه بعمله ، ولو ادعى الشركة والتساوي في الزريعة صدق من صرف البذر من عنده ، وإلا صدق العامل ; لأن الغالب في المزارعة إخراج البذر ، ويصدق أبدا من يدعي التساوي والصحة على من يدعي خلاف ذلك ، قال ابن حبيب : ولو اختلفتما ولم تتحاكما وامتنع رب الأرض من العمل على ما قال فزرع نصفها لنفسه ببذره ، وأبقى نصفها لك ، فالمزروع بينكما وتترادان الفضل ولك كراء ما تعطل إن ادعيت الاعتدال ، كما لو أبطل ذلك بزراعة ، وإن كان هو مدعي الاعتدال ، فلا كراء عليه بل على المنع من [ ص: 131 ] العمل ، كما لو كان ذلك في مزارعة لم يختلفا فيها .

فرع : قال : إذا غلط وكيلك فزرع أرضك ببذر امرأتك ، قال ابن القاسم : الزرع لك وعليك مكيلة البذر ، وقال سحنون : يضمن الوكيل ; لأن العمد والخطأ في أموال الناس سواء ، وله ما أخرج البذر من الزرع ، إلا أن يزيد على البذر فلك الفضل ، وإن لم يخرج شيئا لم يكن له شيء ; لأنه بذر بالضمان وقد عطب ، ولو أمرته بقمح فزرع شعيرا ، أو سمراء فزرع بيضاء قال محمد : الزرع له لتعديه وعليه الكراء ، وإن بذر من عنده مثل بذرك ، فالزرع لك لوجود صورة المأذون فيه ، وإلا فلا تجبر في إعطائك البذر وأخذ الزرع ، لئلا يكون شراء زرع لم يبد صلاحه بما يعطيه ، وقيل : ينتظر دراس الزرع فيستوفى منه البذر والفاضل لرب الأرض .

فرع : قال : قال ابن القاسم : إذا آجرته بقرة بإردب شعير على حرث إردب شعير في أرضك فحرث الإردبين في أرضه بغيرهما ، فإن عطب الزرع فلا شيء له ، وإن أخرج أكثر من إردبين وإجارة مثله إردب أو أقل ، دفع ذلك إليه مع الإردب الذي أخذ منه ودفع ما بقي لرب الزريعة وكانت إجارة مثله أكثر من إردب ، لم يزد عليه ورد عليه أحد الإردبين ودفع ما بقي لصاحب الزريعة ، فإن لم يخرج إلا إردبا فحوصص به مما أخذ منه ولم يكن له غيره .

فرع : قال : قال أصبغ : إذا بذر أرض جاره غلطا أو بنى في عرصته ولا يعرف ذلك إلا من قوله ، فأما الباني فلا يعذر ويعطى قيمة البناء منقوضا أو يؤمر بقلعه ، وأما الزارع فله الزرع وعليه كراء المثل وهو على الغلط حتى يتبين عمده ، والفرق [ ص: 132 ] من جهة العادة أن سرعة الزرع توجب الغلط ، بخلاف البناء فيه التروي ، وقال سحنون : الزرع لرب الأرض إلا أن يقدر على جمع حبه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث