الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 219 ] باب الشهادة على الشهادة

مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " وتجوز الشهادة على الشهادة بكتاب القاضي في كل حق للآدميين مالا أو حدا أو قصاصا ، وفي كل حد لله قولان ، أحدهما : أنه تجوز ، والآخر : لا تجوز من قبل درء الحدود بالشبهات " .

قال الماوردي : أما الشهادة على الشهادة ، فجائزة مع الاتفاق على جوازها لأمرين :

أحدهما : أن الشهادة وثيقة مستدامة ، وقد يطرأ على الشاهد من احتدام المنية والعجز عن الشهادة لغيبة أو مرض ما تدعو الضرورة فيه إلى الإرشاد على شهادته ، ليستديم بها الوثيقة ، ولا يقوى به الحق .

والثاني : أن الشهادة خبر وإن لم يكن كل خبر شهادة ، فلما جاز نقل الخبر لاستدامة العلم به ، جاز نقل الشهادة لاستدامة التوثيق بها . فإذا ثبت جوازها ، فالكلام فيها يشتمل على أربعة فصول :

أحدهما : في وجوب الشهادة على الشهادة .

وهو معتبر بحال شاهد الأصل إذا دعاه صاحب الحق أن يشهد على شهادته ، وله حالتان :

أحدهما : أن يجيب إليها ، فيكون بالإجابة محسنا ، سواء قدر على الأداء أو عجز

والحال الثانية : أن يمتنع عنها ، فله حالتان :

إحداهما : أن يكون قادرا على أدائها عند الحاكم ، فلا تلزمه الشهادة على شهادته ، لأن تحمل الشهادة موجب لأدائها عند الحاكم ، وليس بموجب الإشهاد عليها ، فلم تلزمه غير المقصود بتحملها .

والحال الثالثة : أن يعجز عن أدائها عند الحاكم إما لمرض أو زمانة ، أو لسفر ونقلة ، فقد اختلف في وجوب الإشهاد على شهادته .

[ ص: 220 ] فذهب بعض فقهاء العراق إلى وجوب إشهاده على شهادته ، كما يجب عليه أداؤها عند الحكام ، لما فيه من حفظ الحق على صاحبه في الحالين .

ومذهب الشافعي ، يجب عليه أداء شهادته ولا يجب عليه الإشهاد على شهادته لثلاث معان :

أحدها : أن المقصود بتحمل الشهادة أداؤها دون الإشهاد عليها ، فلم يلزمه في التحمل غير المقصود به .

والثاني : الإشهاد عليها لا يسقط فرض أدائها فلم يلزمه بالتحمل فرضان .

والثالث : أن المقر لما لم يلزمه الإشهاد على إقراره لم يلزم الشاهد الإشهاد على شهادته .

والذي أراه أولى المذهبين عندي ، أن يعتبر الحق المشهود فيه ، فإن كان مما ينتقل إلى الأعيان كالوقف المؤبد الذي ينتقل إلى بطن بعد بطن ، لزمه الإشهاد على شهادته ، لأن البطن الموجود يصل إلى حقه بالأداء ، فلم يلزمه غيره ، والبطن المفقود قد لا يصل إلى حقه إلا بالإشهاد على شهادته ، فلزمه الإشهاد عليها في حقه .

وكذلك الإجارة المعقودة إلى مدة قد لا يعيش الشهود إلى انقضائها في الأغلب ، فهي بمثابة المنتقل في وجوب الإشهاد على شهادته .

وكذلك الديون المؤجلة بالأجل البعيد .

فأما في الحقوق المعجلة ، أو في البياعات المقبوضة الناجزة ، فلا يلزمه فيها غير الأداء عند التنازع ، لأن التوثيق بها غير مستدام وأما إذا ابتدأ الشاهد بالإشهاد على شهادته من غير طلب جاز ، وكان بها متطوعا ، لأنها استظهار في التوثيق لصاحب الحق ، كالمتحمل للخبر إذا ابتدأ بروايته من غير طلب جاز وكان بها متطوعا .

ولا يسقط عن الشاهد فرض الأداء بهذا الإشهاد إذا أحدث التنازع مع إمكان الشهادة ، فإن انقطع التنازع ، سقط عنه فرض الأداء والإشهاد معا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث