الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ القول في العدد في شهود الفرع ] .

مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " ولو شهد رجلان على شهادة رجلين ، فقد رأيت كثيرا من الحكام والمفتين يجيزونه ، ( قال المزني : ) وخرجه على قولين ، وقطع في موضع آخر بأنه لا تجوز شهادتهما إلا على واحد ممن شهدا عليه ، وآمره بطلب شاهدين على الشاهد الآخر ، ( قال المزني ) رحمه الله : ومن قطع بشيء كان أولى به من حكايته له " .

قال الماوردي : وأصل هذه المسألة أن العدد معتبر في شهود الفرع لاعتباره في شهود الأصل ، لأن الشهادة لا تخلو من اعتبار العدد فيها ، أصلا كانت أو فرعا ، فإذا كانت شهادة الأصل معتبرة بشاهدين ، فلشهادة الفرع ثلاثة أحوال :

أحدها : أن يشهد في الفرع شاهدان على شهادة أحد شاهدي الأصل ، ويشهد آخران على الشاهد الآخر ، فيصير شهود الفرع أربعة يتحمل عن كل واحد من الاثنين اثنان ، فهذا متفق على جوازه وهو أولى ما استعمل فيه .

والحال الثانية : أن يشهد في الفرع واحد على شهادة أحدهما أو يشهد آخر على شهادة الآخر ، فهذا غير مجزي لا يختلف فيه مذهبنا ، وهو قول جمهور الفقهاء .

وحكي عن عبيد الله بن الحسن العنبري وابن أبي ليلى ، وابن شبرمة ، وأحمد ، وإسحاق جوازه ، استدلالا بأن أصل الحق لما ثبت بشاهدين ، جاز أن ينوب عن كل واحد واحد ، فتصير نيابتهما بشاهدين .

وهذا فاسد من وجهين :

أحدهما : أنه مفض إلى أن يصير العدد معتبرا في الأصل دون الفرع ، وحكم الفرع أغلظ من حكم الأصل .

والثاني : أن شهادة الفرع موجبة لثبوت شهادة الأصل ، ولا تثبت بالواحد شهادة الواحد .

والحال الثالثة : أن يشهد في الفرع شاهدان على أحد شاهدي الأصل ثم يشهدان معا على الشاهد الآخر ، فيتحمل شاهد الفرع عن كل واحد من شاهدي الأصل ففيه قولان :

[ ص: 232 ] أحدهما : يجوز ، وهو قول مالك ، وأبي حنيفة ، وأكثر فقهاء الحجاز والعراق .

والقول الثاني : لا يجوز ، وهذا اختيار المزني .

وهذان القولان محمولان على أصل ، وهو أن ثبوت الحق ، هل يكون بشهود الأصل أو بشهود الفرع ؟ وفيه قولان :

أحدهما : أنه يثبت بشهود الأصل ، ويتحمله عنهم شهود الفرع ، لأنه يعتبر شرط الشهادة إذا كان مما يعاين في شهود الأصل دون شهود الفرع ويتحمله عنهم شهود الفرع ، فعلى هذا يصح أن يشهد شاهدا الفرع عن كل واحد من شهود الأصل .

والقول الثاني : أن الحق يثبت بشهود الفرع ، وهم يتحملون الشهادة عن شهود الأصل ، لجواز شهادتهم بعد موت شهود الأصل ، فعلى هذا إذا تحمل شاهدا الفرع عن أحد شاهدي الأصل ، لم يكن لهما أن يتحملا عن الشاهد الآخر .

ووهم أبو حامد الإسفراييني ، فعكسه ، وجعل ثبوت الحق بشهود الأصل مانعا من أن يشهد شاهد الفرع على كل واحد من شاهدي الأصل ، وجعل ثبوته بشهود الأصل ، تجوز أن يشهد كل واحد من شاهدي الفرع على كل واحد من شاهدي الأصل .

وهذا عكس الصواب ، لأن الحق إذا ثبت بشهود الأصل ، فهو تحمل بحق كل واحد ، ويجوز ثبوته بشاهدين ، فإذا بشهود الفرع فهو تحمل للشهادة بشاهدين ، فلم يجز أن يتحملاها عنهما ، لأنهما يصيران فيها كأحد الشاهدين ، وهذا دليل على الوهم ، وفرق ما بينهما في الحكم .

ثم الدليل على توجيه القولين في غير المسألة ، أنه إن قيل : يجوز لشاهدي الفرع أن يشهدا عن كل واحد من شاهدي الأصل فدليله من وجهين :

أحدهما : أنها شهادة على شخصين فجاز أن يجتمعا عليها في حق واحد ، كما جاز أن يجتمعا عليها في حقين .

والثاني : أن اجتماعهما عليها في الحق الواحد أوكد من اجتماعهما عليها في حقين ؟ لأنه في الحق الواحد موافق وفي الحقين غير موافق .

وإن قيل : إنه لا يجوز لشاهدي الفرع إذا شهدا على أحد الشاهدين أن يشهدا على الآخر حتى يشهد عليه غيرهما ، فدليله من وجهين :

أحدهما : أنهما قد قاما في التحمل عن أحدهما مقام شاهد واحد وذلك الحق ، فإذا شهدا فيه على الشاهد الآخر صارا كالشاهد إذا شهدا بذلك الحق مرتين ، ولا تتم الشهادة بهذا كذلك بالشاهدين .

[ ص: 233 ] والثاني : أنه لما لم يقبل من شاهد الأصل حتى يشهد معه غيره ، لم يقبل من شاهدي الفرع حتى يشهد معهما غيرهما .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث