الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 253 ] باب الرجوع عن الشهادة

مسألة : قال الشافعي رحمه الله : " الرجوع عن الشهادة ضربان : فإن كانت على رجل بشيء يتلف من بدنه ، أو ينال بقطع أو قصاص ، فأخذ منه ذلك ثم رجعوا ، فقالوا عمدناه بذلك ، فهي كالجناية فيها القصاص ، واحتج في ذلك بعلي وما لم يكن من ذلك فيه القصاص أغرموه وعزروا دون الحد ، وإن قالوا لم نعلم أن هذا يجب عليه عزروا وأخذ منهم العقل ، ولو قالوا أخطأنا كان عليهم الأرش " .

قال الماوردي : وجملته أنه لا يخلو رجوع الشهود في الشهادة بعد أدائها من ثلاثة أحوال :

أحدهما : أن يرجعوا قبل نفوذ الحكم بها .

والثاني : أن يرجعوا بعد الحكم وقبل الاستيفاء .

والثالث : أن يرجعوا بعد الاستيفاء .

فأما الحالة الأولى : وهو أن يرجعوا قبل الحكم بشهادتهم ، فلا يجوز الحكم بها بعد رجوعهم ، سواء كانت الشهادة في حد لله تعالى ، أو مال لآدمي ، وهو قول جمهور الفقهاء إلا أبا ثور فإنه تفرد بإمضاء الحكم بعد رجوعهم .

وبناه على مذهبه في إمضاء الحكم بعد حدوث فسقهم ، وهذا خطأ في المذهب والبناء .

وأما خطؤه في المذهب ، فهو أنه لا يخلو حالهم في الشهادة والرجوع من أحد أمرين : إما أن يكونوا صادقين في الشهادة كاذبين في الرجوع ، أو كاذبين في الشهادة صادقين في الرجوع ، فوجب ردها لأمرين :

أحدهما : الجهالة بصدق شهادتهم ، فصار كالجهالة بعدالتهم .

والثاني : أنهم لم ينكفوا من الكذب في أحد قوليهم .

وأما خطؤه في البناء : فهو أن الفاسق مقيم على شهادته ويجوز أن يكون فيها صادقا ، والراجع مقر أنه لم يكن في الشهادة صادقا ، فافترقا .

[ ص: 254 ] فإذا ثبت أنه لا يحكم بشهادتهم ، نظر في الشهادة بعد رجوعهم عنها ، فإنهم فيها على ثلاثة أحوال :

أحدهما : أن يعمدوها ، فيكون قدحا في عدالتهم وموجبا لفسقهم ، ويعزروا ، لأنهم عمدوا الشهادة بالزور .

والثاني : أن لا يتعمدوها ، ولكن سهوا فيها ، فيكون ذلك قدحا في ضبطهم لا في عدالتهم ، فوجب التوقف في شهادتهم إلا فيما تحققوه وأحاطوا به علما .

والثالث : أن لا يكون ذلك بعمد ولا بسهو ، ولكن بشبهة اعترضتهم يجوز مثلها على أهل التيقظ والعدالة ، فهم على عدالتهم وضبطهم ، لا يقدح ذلك في واحد منهم ، فتقبل شهادتهم في غير ما رجعوا عنه ، فإن التمس المشهود له يمين الشهود على صحة رجوعهم لم يكن له إحلافهم ، لأن حقه على غيرهم ، ولو ادعى المشهود له أن الشهود قد رجعوا وأنكروا الرجوع ، لم يكن له إحلافهم ، لأنه لا خصومة بينه وبينهم .

وهكذا لو ادعى عليهم أنهم علموا أني برئت مما شهدوا به ، وقد شهدوا مع علمهم أنه بريء منه وطلب يمينهم لم يحلفوا عليه .

ولو أحضر المشهود عليه بينة تشهد على الشهود برجوعهم ، قبلت ، وحكم عليهم بالرجوع ، وبطلت شهادتهم على المشهود عليه ، ولا ضمان عليهم للمشهود له ، وقال الحسن بن زياد اللؤلؤي : يضمنون للمشهود له ما شهدوا به من حقه ، وهذا خطأ ، لأن حقه باق على المشهود عليه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث