الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ القول في رجوع شهود الطلاق ] .

مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " ولو كان هذا في طلاق ثلاث أغرمتهم للزوج صداق مثلها دخل بها أو لم يدخل بها ، لأنهم حرموها عليه ، فلم يكن لها قيمة إلا مهر مثلها ، ولا ألتفت إلى ما أعطاها ، ( قال المزني ) رحمه الله : ينبغي أن يكون هذا غلطا [ ص: 261 ] من غير الشافعي ومعنى قوله المعروف أن يطرح عنهم ذلك بنصف مهر مثلها إذا لم يكن دخل بها " .

قال الماوردي : قد مضى الكلام في رجوع الشهود عما اختص بالأبدان من الأقسام الثلاثة وهذه المسألة هي القسم الثاني في رجوعهم عما اختص بالأحكام وهو شيئان : الطلاق والعتق .

فأما الطلاق : فهو أن يشهدوا على رجل بطلاق الثلاث ، فيفرق الحاكم بينهما ، ثم يرجع الشهود ، فهي ممنوعة من الزوج بعد نفوذ الحكم بطلاقها وعلى الشهود مهر مثلها للزوج .

وقال مالك ، وأبو حنيفة : لا ضمان على الشهود .

استدلالا : بأنه ليس لخروج البضع عن ملك الزوج قيمة ، ولو كان مقوما بمهر المثل في ملكه ، لوجب إذا طلق زوجته في مرض موتها ، أن يكون مهر مثلها محسوبا من ثلثه ، كما لو أعتق عبده في مرضه ، ولوجب إذا طلقها وقد أحاط دينه بتركته أن لا يقع طلاقه ، كما لم ينفذ عتقه وهذا مدفوع فدل على أنه لا قيمة له في خروجه من ملكه كما لا قيمة له فيما استهلكه عليه من غير ذي قيمة .

والدليل على وجوب ضمانه ، أن عقد النكاح بعد الدخول أقوى وقبله أضعف ، لارتفاع العقد بالردة قبل الدخول ، ووقوفه على انقضاء العدة بعد الدخول ، ووافقونا على تضمين الشهود إذا شهدوا بالطلاق قبل الدخول ، فكان أولى أن يضمنوا إذا شهدوا به بعد الدخول .

وتحرير هذا الاستدلال قياسا ، أنها شهادة بطلاق فرق بين الزوجين فاقتضى أن يكون الرجوع عنها موجبا للضمان كالشهادة قبل الدخول .

فإن قيل : فالمال قبل الدخول معرض للسقوط بردتها ، وبالفسخ إذا كان من قبلها ، وهو بعد الدخول مستقر لا يسقط بحال ، فإذا شهدوا بالطلاق قبل الدخول فقد أثبتوا به صفة المعرض للسقوط فضمنوا ، وإذا شهدوا به بعد الدخول لم يكن معه معرضا للسقوط ، فلم يضمنوا .

قيل : عكس هذا أولى ، لأن الصداق واجب بالعقد ، فإذا شهدوا بالطلاق قبل الدخول فقد أسقطوا بها نصف الصداق ، وإذا شهدوا به بعد الدخول لم يسقطوا به شيئا من الصداق ، فكان ضمانهم بعد الدخول أقوى من ضمانهم قبله .

فإن قيل : فهو بعد الدخول قد استوفى حقه من الاستمتاع ، فلم يضمنوا ، وقبل الدخول لم يستوفه ، فضمنوا .

[ ص: 262 ] قيل : حقه في الاستمتاع باق ببقاء النكاح ، وقد أبطلوه بشهادتهم في الحالتين فضمنوه فيها .

ودليل ثان : أن الإحالة بين الزوج وبضع امرأته إذا لم يفتقر إلى خلو العقد من مهر ، فهو موجب لضمان المهر ، كما لو أرضعت زوجته الكبيرة زوجته الصغيرة ضمنت الكبيرة مهر الصغيرة .

وقد وافقوا على ذلك إذا قصدت الكبيرة تحريم الصغيرة .

فإن قيل : فبفعل الكبيرة قد حرمت عليه نفسها ، ولا يلزمها مهرها .

قيل : لأنه لو لزمها مهرها ، لأفضى إلى خلو العقد من مهرها ، ولا يفضي هذا إلى خلو عقد الصغيرة من مهرها ، فلذلك ضمنت الكبيرة مهر الصغيرة ، ولم تضمن مهر نفسها .

فإن قيل بعد هذا : لو قتلتها لضمنت ديتها ، ولا تضمن مهرها .

قيل : ضمان المنافع تسقط بضمان أعيانها ، فأوجب ضمان ديتها سقوط مهرها .

ودليل ثالث : أنه لما كان لدخول البضع في ملك الزوج قيمة وجب أن يكون لخروجه عن ملكه قيمة اعتبارا بسائر الأموال ، فإن منعوا أن يكون لخروجه عن ملكه قيمة بما ذكروه دللنا عليه بجواز الخلع على البضع ، فإنه يملك به العوض ، ولا يجوز أن يملك العوض في مقابلة ما ليس له عوض .

ثم نجيب عما استدلوا به من أنه لا قيمة لخروجه عن ملكه .

وأما قولهم أنه لو طلقها في مرضه لم يكن من ثلاثة ، ولو كانت مالا لكانت من ثلثه لعتقه ، فهو أننا نعتبر ما كان منتقلا إلى ورثته بعد موته ، والزوجة لا تنتقل إليهم بعد الموت .

فلذلك لم تعتبر من الثلث ، وإن كان بضعها ملكا له كأم الولد لو أعتقها في مرضه لم تكن من ثلثه وإن كانت ملكا ، لأنها لا تنتقل بعد الموت إلى ورثته ، وهكذا لو طلقها في مرضه وقد أحاط دينه بتركته بعد طلاقه وإن لم ينفذ عتقه ، لأنها لا تنتقل إلى الغرماء كعتق أم الولد ، وخالف عتق العبد القن الذي يصرف في ديونه لو لم يعتق

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث