الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ دعوى غير النكاح ] .

فصل : فأما دعوى غير النكاح من سائر العقود كالبيع ، والإجارة ، والرهن ، فإن لم يعتبر شروط العقد في دعوى النكاح ، فأولى أن لا تعتبر في دعوى غيره من العقود ، لأنها إذا لم تعتبر في الأغلظ ، كان أولى أن لا تعتبر في الأخف ، وإن اعتبرت في النكاح فقد اختلف أصحابنا في اعتبارها في دعوى غيره من البيع والإجارة على ثلاثة أوجه :

أحدها : يعتبر في دعواها شروط العقد ، سواء استبيح بها ، ذات فرج أم لا ، لأنها قد توجد فيها الصحة ، والفساد كالنكاح ، فيقول في دعوى العبد ابتعت هذا العبد بألف درهم بعد رؤيته وافترقنا عن تراض منه .

والوجه الثاني : يجوز إطلاق الدعوى ، ولا تعتبر فيها شروط العقد وسواء استبيح بها ذات فرج أم لا بخلاف النكاح ، لوقوع الفرق بينهما في التغليظ باعتبار الولي والشاهدين في النكاح ، وسقوط اعتباره في البيع .

والوجه الثالث : إن استبيح بالبيع ذات فرج كابتياع الأمة ، اعتبر في دعوى ابتياعها شروط العقد ، كالنكاح ، وإن لم يستبح به ذات فرج كابتياع البهائم ، والأمتعة ، لم يعتبر في دعوى ابتياعها شروط العقد ، لتخفيف حكمها بأنها تملك بالإباحة ، ويشبه أن يكون لهذا الموجه وجه . والله أعلم .

[ ص: 314 ] مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " والأيمان في الدماء مخالفة لغيرها ، لا يبرأ منه إلا بخمسين يمينا ، وسواء النفس والجرح في هذا ، نقتله ونقصه منه بنكوله ويمين صاحبه ، ( قال المزني : ) رحمه الله : قطع في الإملاء بأن لا قسامة بدعوى ميت ، ولكن يحلف المدعى عليه ويبرأ ، فإن أبى حلف الأولياء واستحقوا دمه ، وإن أبوا ، بطل حقهم ، وقال في كتاب اختلاف الحديث : من ادعى دما ولا دلالة للحاكم على دعواه كدلالة التي قضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقسامة ، أحلف المدعى عليه كما يحلف فيما سوى الدم ، ( قال المزني : ) رحمه الله : وهذا به أشبه ، ودليل آخر ، حكم النبي ، صلى الله عليه وسلم في القسامة بتبدئة المدعي لا غيره ، وحكم فيما سوى ذلك بتبدئة يمين المدعى عليه لا غيره ، فإذا حكم الشافعي فيما وصفت بتبدئة المدعى عليه ، ارتفع عدد أيمان القسامة " .

قال الماوردي : قد مضت هذه المسألة في كتاب القسامة ، وذكرنا أن دعوى الدماء ، تخالف دعوى الأموال ، من وجهين :

أحدهما : بالتبدئة بيمين المدعي مع اللوث ، وبأعداد الأيمان خمسين يمينا .

وإذا اختصت الدماء بهذين الحكمين لم تخل دعواهما من أن تكون في نفس أو طرف ، فإن كانت في نفس لم يخل أن يكون معها لوث ، أم لا .

فإن كان معهما لوث تعلق عليهما الحكمان في التبدئة بيمين المدعي وبإحلافه خمسين يمينا ، فإن كان الولي واحدا ، أحلف خمسين يمينا واستحق الدم ، وفيما يستحقه به قولان :

أحدهما : القود قاله في القديم .

والثاني : الدية قاله في الجديد .

وإن كان ولي الدم جماعة ففي أيمانهم قولان :

أحدهما : أنه يحلف كل واحد منهم خمسين يمينا ، يستوي فيه من قل سهمه وكثر .

والقول الثاني : أن الخمسين يقسط بينهم ، على قدر ميراثه ، فيحلف كل واحد منهم بقدر قسطه من مواريثه ، بجبر الكسر ، فإن كانوا ابنا وبنتا حلف الابن أربعة وثلاثين يمينا ، وحلفت البنت سبع عشرة يمينا .

وإن لم يكن مع الدعوى لوث ، سقطت التبدئة بيمين المدعي وأحلف المدعى عليه كما يبتدأ بإحلافه في دعوى الأموال ، ولكن هل تغلظ الدعوى بعدد الأيمان أم لا ؟ على قولين :

[ ص: 315 ] أحدهما : لا يغلظ بالعدد ، ويحلف المدعى عليه يمينا واحدة ، لأنه لما سقط فيها حكم التبدئة سقط فيها حكم العدد كالأموال .

والقول الثاني : تغلظ فيها الأيمان بالعدد ، وإن سقط التغليظ بالتبدئة ، لتغليظ حكم الدماء ، بوجوب القود ، والكفارة فعلى هذا إن كان المدعى عليه واحدا ، حلف خمسين يمينا ، وإن كانوا جماعة فعلى قولين :

أحدهما : يحلف كل واحد منهم خمسين يمينا .

والقول الثاني : يقسط الخمسون بينهم على عددهم إلا أن يكونوا ورثة ميت ، فتقسط بينهم على مواريثهم ، فإن حلف برئ ، وإن نكل ردت اليمين على المدعى ، وفي تغليظ يمينه بالعدد قولان :

أحدهما : لا يغلظ ويحلف يمينا واحدة ، يستحق بها القود في العمد قولا واحدا ، وإن لم يستحقه مع اللوث على أحد القولين ، لأن يمين الرد في النكول تقوم مقام الإقرار ، في أحد القولين ومقام البينة في القول الآخر ، والقود يستحق بكل واحد من إقرار المدعى عليه ، وبينة المدعي .

والقول الثاني : يحلف المدعي خمسين يمينا ، ثم يحكم له بالقود إن حلفها فإن كانوا جماعة فعلى قولين :

أحدهما : يحلف كل واحد منهم خمسين يمينا .

والقول الثاني : أنها تقسط بينهم على قدر مواريثهم بجبر الكسر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث