الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 329 ] باب الدعوى في الميراث من اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى

مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " ولو هلك نصراني وله ابنان : مسلم ونصراني ، فشهد مسلمان للمسلم أن أباه مات مسلما ، وللنصراني مسلمان أن أباه مات نصرانيا ، صلى عليه فمن أبطل البينة التي لا تكون إلا بأن يكذب بعضهم بعضا ، جعل الميراث للنصراني ، ومن رأى الإقراع أقرع ، فمن خرجت قرعته كان الميراث له ، ومن رأى أن يقسم إذا تكافأت بينتاهما ، جعله بينهما ، وإنما صلى عليه بالإشكال كما يصلى عليه لو اختلط بمسلمين موتى قال المزني : أشبه بالحق عندي أنه إن كان أصل دينه النصرانية فاللذان شهدا بالإسلام أولى ، لأنهما علما إيمانا حدث خفي على الآخرين ، وإن لم يدر ما أصل دينه والميراث في أيديهما ، فبينهما نصفان ، وقد قال الشافعي : لو رمى أحدهما طائرا ثم رماه الثاني ، فلم يدر أبلغ به الأول أن يكون ممتنعا أو غير ممتنع ، جعلناه بينهما نصفين . قال المزني : وهذا وذاك عندي في القياس سواء .

قال الماوردي : وتفصيل هذه المسألة في اختلاف الاثنين في دين الأب ، أنها على ضربين :

أحدهما : أن يعرف دين الأب .

والثاني : أن لا يعرف ، فإن عرف دين الأب أنه نصراني ، فترك ابنين مسلما ونصرانيا ، وادعى المسلم أن أباه مات مسلما فهو أحق بميراثه ، وشهد له بذلك شاهدان عدلان .

وادعى النصراني أن أباه مات نصرانيا ، وهو أحق بميراثه ، وشهد له بذلك شاهدان عدلان ، فقد اختلفت الشهادتان واختلافهما إذا أمكن فيه القضاء فلم يتعارضا ، فإذا علم فيه التكاذب تعارضتا ، ولا يخلو حال هاتين الشهادتين من أربعة أقسام : أحدها : أن تكون مطلقتين .

والثاني : أن تكونا مقيدتين .

والثالث : أن تكون الشهادة بالإسلام مطلقة ، وبالنصرانية مقيدة .

[ ص: 330 ] والرابع : أن تكون الشهادة بالإسلام مقيدة ، وبالنصرانية مطلقة .

فأما القسم الأول : وهو أن تكون الشهادتان مطلقتين ، فهو أن يقول شهود المسلم : إن أباه مسلم ، ويقول شهود النصراني إن أباه نصراني ، فالتصادق في هذا الاختلاف ممكن ، لأنه قد يكون نصرانيا ، فيسلم ، ويكون مسلما ، فيتنصر ، فتكون كل واحدة من الشهادتين صادقة ، فإذا كان كذلك فلا تعارض فيها وحكم بشهادة الإسلام ، لأنها أزيد علما ، لأن نصرانيته أصل ، وإسلامه حادث ، فصار كالشهادة بجرح والتعديل يحكم بالجرح على التعديل ، ويجعل المسلم وارثا دون النصراني .

فصل : وأما القسم الثاني : فهو أن تكون الشهادتان مقيدتين ، فهو أن يقول شهود المسلم ، إن أباه مات على دين الإسلام قائلا بالشهادتين عند خروج روحه .

ويقول شهود النصراني إن أباه مات على دين النصرانية ، قائلا بالتثليث عند خروج روحه .

فهذا تعارض في شهادتهما ، لتكاذبهما باستحالة أن يموت مسلما نصرانيا وللشافعي في تعارض الشهادتين في الأموال ثلاثة أقاويل ذكرها في هذا الموضع :

أحدها : إسقاط البينتين بالتعارض ، لتكاذبهما ، فيكون الميراث للنصراني دون المسلم استصحابا لأصل دينه في النصرانية بعد أن يحلف المسلم بالله أن أباه لم يسلم .

والقول الثاني : الإقراع بين البينتين ، والحكم بالقارعة منها لأن في القرعة تمييزا لما اشتبه ، وهل يحتاج من قرعت بينته إلى يمين في استحقاق الميراث ؟ على قولين من اختلاف قوليه في القرعة هل ترجح بها الدعوى أو البينة ، فإن قرعت بينة المسلم كان هو الوارث وإن قرعت بينة النصراني كان هو الوارث .

والقول الثالث : استعمال البينتين وجعل التركة بينهما نصفين ، فاختلف أصحابنا في صحة تخريج هذا القول في الميراث كتخريجه في الأموال على وجهين :

أحدهما : وهو قول المزني ، وطائفة معه أن تخريجه في هذا الموضع صحيح استشهادا بذكر الشافعي له ، واحتجاجا من قوله " بأن رجلين لو رميا طائرا ، فسقط ميتا ، ولم يعلم أيهما أثبته برميه أنه بينهما نصفين ، وإن كان إثباته من أحدهما ، كذلك الميراث " .

والوجه الثاني : وهو قول أبي إسحاق المروزي ، وطائفة معه أن تخريجه لا يصح في هذا الموضع ، لاستحالة أن يشترك مسلم ونصراني في ميراث ميت ، لأنه إن مات نصرانيا ورثه النصراني دون المسلم ، وإن مات مسلما ورثه المسلم دون النصراني ،

[ ص: 331 ] فإذا قسم بينهما علمنا قطعا أن أحدهما قد أعطي ما لا يستحقه ، ومنع الآخر مما يستحقه وإن لم يتعين وليس كالمال الذي يصح اشتراكهما في سببه ، فيشتركان في تملكه .

وكذلك الطائر إذا رمياه ، جاز أن يكون تكامل إثباته برميهما ، فصح فيه اشتراكهما ، وجعل ما نص عليه الشافعي هاهنا في أحد الأقاويل من قسمة بينهما أنه حكاه عن مذهب من يراه ، وهو مذهب من قال من أهل العراق بتوريث الغرقى بعضهم من بعض ، ولم يحكه عن نفسه ، لأنه لا يرى ذلك في الغرقى وقد تكلم على ضعفه ووهائه ، فقال : لو قسمت كنت لم أقض لواحد منهما بدعواه ، ولا ببينته وكنت على يقين خطأ ، ينقص من هو له عن كمال حقه ، وإعطاء الآخر ما ليس له .

فصل : وأما القسم الثالث : وهو أن تكون الشهادة بالإسلام مطلقة ، وبالنصرانية مقيدة ، وهو أن يقول شهود المسلم أن أباه مسلم ، ويقول شهود النصراني ، إن أباه مات على دين النصرانية ، قائلا بالتثليث عند خروج روحه ، فلا تعارض في الشهادتين لأنه قد يسلم ، ثم يرتد بعد إسلامه إلى النصرانية ، فتصح الشهادتان ، ويحكم بارتداده بعد الإسلام ، فلا يرثه واحد من ابنيه ويكون ماله فيئا لبيت المال ، لأن المرتد لا يرثه مسلم ولا نصراني .

فصل : وأما القسم الرابع : أن تكون الشهادة بالإسلام مقيدة ، وبالنصرانية مطلقة فيقول شهود المسلم إن أباه مات على دين الإسلام قائلا بالشهادتين عند خروج روحه ، ويقول شهود النصراني إن أباه نصراني فلا تعارض في شهادتهما لحدوث إسلامه بعد نصرانيته ، فيكون ميراثه للمسلم دون النصراني ، فأما إذا كانت شهادتهما على ما ذكر في مسألة الكتاب إن شهد شهود المسلم أن أباه مات مسلما ، وشهد شهود النصراني أن أباه مات نصرانيا ، فقد اختلف أصحابنا هل تحمل هذه الشهادة على التقييد ، أو على الإطلاق ؟ على وجهين :

أحدهما : أنها محمولة على التقييد ، لأن كل واحدة منهما شهدت بدينه عند الموت .

فعلى هذا تكون الشهادتان متعارضتين ، فتكون محمولة على الأقاويل المذكورة في القسم الثاني .

والوجه الثاني : أنها محمولة على الإطلاق ، لأنهما استصحبا ما تقدم من حاله ، ولم يقطعا بدينه عند خروج روحه .

[ ص: 332 ] فعلى هذا لا تعارض في الشهادتين ويكون الميراث للمسلم على ما ذكرناه في القسم الأول ، تعليلا بما قدمناه .

فصل : وأما الضرب الثاني : في التفصيل ، وهو أن يكون الأب مجهول الدين ، فيشهد شاهدان بإسلامه ، ويشهد شاهدان بنصرانيته ، فيستوي مع الجهل بدينه إطلاق الشهادتين ، وتقييدهما في التعارض ، وإن كانتا في التقييد متكاذبتين ، ويجوز أن يكونا في الإطلاق صادقتين ، لكن الجهل بدينه ، يمنع من الحكم بإحداهما مع التصادق ، فجرى عليهما حكم المعارضة في التكاذب ، فيحمل على الأقاويل في تعارض البينتين .

أحدهما : إسقاط البينتين ويردان إلى دعوى بغير بينة .

والثاني : الإقراع بينهما ، والحكم بالقارعة منهما وفي إحلاف من قرعت بينته قولان :

والقول الثالث : المختلف في تخريجه استعمال البينتين ، وقسم الميراث بينهما بالبينة نصفين .

فعلى قول المزني ، ومن تابعه ، يقسم بينهما بالبينتين إرثا ، ويفصل بها الحكم بينهما .

وعلى قول أبي إسحاق المروزي لا يصح استعمالها ، ليقين الخطأ في الجمع بينهما ، ويسقطان عند استحالة الحكم بهما ، وإذا سقطت البينتان ، ودين الميت مجهول ، ففي التركة ثلاثة أوجه :

أحدها : وهو قول المزني أنها تقسم بينهما ملكا بالتحالف دون البينة لتكافئهما

والوجه الثاني : وهو قول أبي علي بن خيران ، أنها تقسم بينهما بدءا ، وتقر معهما أمانة يمنعان من التصرف فيها ، حتى يبين مستحقها منها أو يصطلحا عليها كالميت عن زوجتين ، إحداهما مطلقة قد أشكلت .

والوجه الثالث : ويشبه أن يكون قول أبي إسحاق المروزي أنها تقر من كانت في يده قبل التنازع ، والتحالف ، فإن كانت في أيديهما أو في يد أحدهما ، أو في يد أجنبي ، أقرت على حالها كما كانت إقرار يد وأمانة ، من غير قسمة .

ووهم أبو حامد الإسفراييني فأقرها في يده ملكا .

وهذا خطأ ، لأن سبب استحقاقها متعين بالميراث ، فلم يجز أن تكون لليد في تملكها تأثير ، وقد يكون في يد أجنبي ، لا يدعي ميراثها ، فكيف يجوز أن تجعل ملكا له .

[ ص: 333 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث