الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 412 ] باب أخذ الرجل حقه ممن يمنعه إياه

مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " وكانت هند زوجة لأبي سفيان ، وكانت القيم على ولدها لصغرهم ، بأمر زوجها ، فأذن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم لما شكت إليه أن تأخذ من ماله ما يكفيها وولدها بالمعروف ، فمثلها الرجل يكون له الحق على الرجل ، فيمنعه إياه ، فله أن يأخذ من ماله حيث وجده بوزنه أو كيله ، فإن لم يكن له مثل ، كانت قيمته دنانير أو دراهم ، فإن لم يجد له مالا باع عرضه واستوفى من ثمنه حقه ، فإن قيل فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " أد إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك " قيل إنه ليس بثابت ، ولو كان ثابتا لم يكن الخيانة ما أذن بأخذه صلى الله عليه وسلم ، وإنما الخيانة أن آخذ له درهما بعد استيفائه درهمي ، فأخونه بدرهم ، كما خانني في درهمي ، فليس لي أن أخونه بأخذ ما ليس لي وإن خانني " .

قال الماوردي : وهذا صحيح ، وهو أن يكون لرجل على رجل دين ، فهو على ضربين :

أحدهما : أن يكون على مقر ومليء يقدر على أخذه منه متى طالبه به ، فلا يجوز لصاحب الدين أن يأخذه من مال الغريم بغير إذنه ، وإن أخذه كان آثما ، وعليه رده ، وإن كان جنس دينه ، لأن لمن عليه الدين أن يقضيه من أي أمواله شاء ، ولا يتعين في بعضه ، ويجري على ما أخذه حكم الغاصب ، على أن يرد ما أخذه ، وله أن يطالب بما وجب له ، ولا يكون قصاصا ، لأن القصاص يختص بما في الذمم ، دون الأعيان .

والضرب الثاني : أن لا يقدر صاحب الدين على قبض دينه ، فهو ضربان :

أحدهما : أن يقدر على أخذه منه بالمحاكمة .

والثاني : أن يعجز عنه .

فإن عجز عن أخذه منه بالمحاكمة ، وذلك من أحد وجهين : إما لامتناع الغريم بالقوة ، وإما لجحوده مع عدم البينة ، فيجوز لصاحب الدين أن يأخذ من مال غريمه [ ص: 413 ] قدر دينه سرا ، بغير علمه ، فإن قدر عليه من جنس حقه ، لم يتجاوز إلى غيره ، وإن لم يقدر عليه من جنسه ، جاز أن يعدل إلى غير جنسه ، سواء كان من جنس الأثمان ومن غير جنسها ، وإن قدر صاحب الدين على أخذه بالمحاكمة ، وعجز عنه بغير المحاكمة ، وذلك لأحد وجهين إما لمطله مع الإقرار ، أو الإنكار مع وجود البينة ، فهو على ضربين :

أحدهما : أن يقدر على أخذ دينه سرا من جنسه ، فيجوز أخذه منه بغير علمه ، لأن إحواجه إلى المحاكمة عدوان من الغريم .

والضرب الثاني : أن لا يقدر على أخذه ، إلا من غير جنسه ، ففي جواز أخذه سرا بغير علمه وجهان :

أحدهما : يجوز تعليلا بما ذكرناه من عدوان الغريم ، وهو قول من زعم أن لصاحب الدين ، أن ينفرد ببيعه من غير حاكم .

والوجه الثاني : ليس له أخذه إلا بالمحاكمة لقدرته عليه بما يزول عنه الهم ، وهو قول من زعم أن صاحب الدين لا يجوز له بيعه ، إلا بالحاكم فهذا شرح مذهبنا .

وقال أبو حنيفة : إن قدر على أخذ دينه إذا لم يصل إليه من غريمه ، أن يأخذ من جنسه ، جاز له أن يأخذ شيئا من ماله ، وكذلك لو كان دينه دراهم فوجد دنانير ، أو دنانير فوجد دراهم ، لأنها من جنس الأثمان ، وإن تنوعت ، وإن لم يقدر عليه إلا من غير جنسه في الأمتعة والعروض لم يكن له أخذه ، احتجاجا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أد الأمانة لمن ائتمنك ولا تخن من خانك " . وبقوله صلى الله عليه وسلم : " لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه " ولأنه مال لا يجوز لأحد أن يتملكه ، فلم يجز أن يأخذه قياسا على ما في يد الغريم من رهون ، وودائع .

ولأنه إذا أخذه من غير جنس حقه لم يحل أن يأخذه لأنه [ إما أن ] يملكه أو يبيعه ، فلم يجز أن يتملكه لأنه من غير جنس حقه ، ولم يجز أن يبيعه ، لأنه لا ولاية له على بيعه ، فبطل أن يكون له حق في أخذه .

ودليلنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لصاحب الحق يد ومقال " . فكانت اليد على العموم .

وروى الشافعي عن عياض ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، رضي الله عنها أن هند امرأة أبي سفيان قالت : إن أبا سفيان رجل شحيح ، وإنه لا يعطيني ما يكفيني ، وولدي ، إلا ما أخذت منه سرا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " .

[ ص: 414 ] ولأن من الحقوق المختلفة ما يتعذر وجود جنسها في ماله ، فدل على جواز أخذه من غير جنسه ومن جنسه ، ولأن من جاز له أخذ دينه من جنسه ، جاز له أخذه مع تعذر الجنس أن يأخذ من غير جنسه قياسا على أخذ الدراهم بالدنانير والدنانير بالدراهم ، ولأن من جاز أن يقضى منه دينه ، جاز أن يتوصل مستحقه إلى أخذه ، إذا امتنع بحسب الممكن قياسا على المحاكمة .

فإن قيل : فالحاكم يجبر على البيع ولا يبيع عليه .

قيل : عندنا يبيع عليه في دينه ، إذا امتنع من بيعه سواء كان ماله عروضا ، أو عقارا ، وحكي عن أبي حنيفة : أنه منع من بيع العقار في الديون ، وهو عندنا مبيع عليه ، في الحالين جبرا ، لأن جميع الديون تقضى من جميع الأموال كدين الميت .

وأما الجواب عن قولهم : " لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه فهو إن حمله على أن لا يدفع صاحب الدين من دينه ، وهو مظلوم ، أولى من حمله على من عليه الدين ، وهو ظالم ، وأما الجواب عن قوله : " أد الأمانة لمن ائتمنك ولا تخن من خانك " . وهو أن الأمانة هي الوديعة تؤدى إلى مالكها ، وليس مال الغريم وديعة ، يكون أمانة ، وقوله " ولا تخن من خانك " فليس مستوفي حقه خائنا ، فلم يتوجه إليه الخطاب .

فإن قيل : فما معنى الخبر ؟ قيل : يحمل معناه مع ضعفه ، عند أصحاب الحديث ، على أحد وجهين : إما على الأعراض إذا هتكت ، والحقوق إذا بطلت ، وإما على الودائع إذا جحدت ثم أديت .

وأما قياسه على ما في يده من رهون وودائع ، فتلك لا يملكها فلم يجز أن تؤخذ في دينه ، وهذا ماله فجاز أن يؤخذ من دينه .

وأما الجواب عن استدلالهم بالتقسيم في أخذه ملكا ، أو مبيعا فإنه ينقسم يؤخذ في أخذ الدراهم عن الدنانير والدنانير عن الدراهم ، ولا يمنع جوازه ، فكذلك في غيره على أن لنا في البيع ما سنذكره .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث