الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة أعتق شريكان لأحدهما النصف وللآخر السدس معا أو وكلا رجلا فأعتق عنهما معا كان عليهما قيمة الباقي لشريكيهما سواء

مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " ولو أعتق شريكان لأحدهما النصف وللآخر السدس معا أو وكلا رجلا فأعتق عنهما معا كان عليهما قيمة الباقي لشريكيهما سواء لا أنظر إلى كثير الملك ولا قليله ( قال المزني ) هذا يفضي لأحد قوليه في الشفعة أن من له كثير ملك وقليله في الشفعة سواء ) .

قال الماوردي : وصورتها : في عبد مشترك بين ثلاثة لأحدهم نصفه وللآخر ثلثه وللآخر سدسه ، وأعتق صاحبا النصف والسدس حقهما معا واجتماعهما عليه يكون من أحد ثلاثة أوجه :

أحدها : أن يجتمعا على اجتماع اللفظين حتى لا يتقدم أحدهما على الآخر بحرف ، ولا مد ولا تشديد .

والثاني : أن يعلقا عتقه بصفة واحدة ، كقول كل واحد منهما : إن دخل هذا العبد الدار ، أو طار هذا الغراب فنصيبي منه حر ، فإذا دخل الدار ، أو طار الغراب عتق نصيبهما معا .

والثالث : أن يوكلا في عتقه وكيلا ، فيعتقه عنهما بلفظ واحد ، فإذا اجتمع عتقهما من أحد هذه الوجوه الثلاثة ، وكانا موسرين ، قومت حصة الثالث ، وهي الثلث ، عليهما بالسوية نصفين . وكان ولاؤه بين المعتقين فيصير لصاحب النصف ثلثا ولائه ، ولصاحب السدس ثلث ولائه ، ولا يعتبر فيهما قدر الملكين ويسوى بين من قل سهمه ، وكثر .

وقال مالك : يقوم عليهما بقدر الملكين ، ويفضل بينهما لتفاضلهما في المالين ؛ لأن التقويم مستحق بسراية عتقهما ، وسراية كثير العتق أكثر من سراية قليله . ودليلنا رواية ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من أعتق شركا له في عبد وكان له مال قوم عليه . فاستوى فيه الواحد ، والجماعة ، لإطلاق أمره ، ولأنهما قد اشتركا في إدخال الضرر على شريكهما بقليل الملك وكثيره ؛ لأن قليله مدخل للضرر عليه مثل كثيره ، فوجب أن يستويا في التقويم الموجب لرفع ضررهما ، ولأن عتقهما يجري مجرى الجناية منهما ، وهما لو اشتركا في جناية تفاضلا في عدد جراحها فجرحه أحدهما جراحة ، وجرحه الآخر مائة جراحة كانت الدية بينهما على أعدادهما ، ولا تتقسط على أعداد جراحهما ، كذلك العتق يجب أن يكون معتبرا ، بأعداد المعتقين ، ولا يتقسط على أملاك المعتقين ، وسراية العتق كسراية الجناية ، فلم يسلم لمالك استدلاله .

[ ص: 27 ] فأما المزني فإنه قال : " إذا استويا في التقويم مع تفاضلهما في الملك وجب أن يكونا في الشفعة ، كذلك إذا تفاضلا في الملك أن يستويا في الأخذ " .

قيل في الشفعة قولان :

أحدهما : أن الأمر فيها على هذا ، وأن يشترك صاحب النصف والسدس فيها بالسوية كالعتق .

والقول الثاني : أنهما يتفاضلان فيها بقدر المالين ، وإن تساويا في العتق .

والفرق بينهما من وجهين :

أحدهما : أن الشفعة مستحقة بالملك ، فتقسط عليه ، والتقويم مستحق بالعتق ، فاستويا فيه .

والثاني : أن استحقاق الشفعة لإزالة الضرر بالتزام مئونة القسم وغيره ، والمئونة معتبرة بالملك ، فتقسطت الشفعة على الملك ، والتقويم مستحق بدخول الضرر بالعتق ، الجاري مجرى الجناية ، فتقسطت على المعتقين ، دون الملك ؟ ولو كانت المسألة بحالها ، وكان صاحب النصف موسرا ، ومعتق السدس معسرا ، قومت الحصة كلها على معتق النصف ، ولو كان معتق السدس موسرا ومعتق النصف معسرا ، قومت الحصة كلها على معتق السدس ، ولو كانا معسرين ، لم تقوم على واحد منهما ، وكانت الحصة على رقها لمالكها ، فلو ادعى عليها اليسار فأنكراه حلفا له ، ولا تقويم عليهما ، وفي عتق الحصة على مالكها بهذه الدعوى قولان : يعتق عليه في أحدهما ، إذا قيل إن العتق في حصته يقع بالسراية ، ولا يعتق عليه في الثاني إذا قيل إنها لا تعتق إلا بدفع القيمة .

ولو ادعى أحد المعتقين على الآخر اليسار ، فإن كان المدعي معسرا ، لم تسمع دعواه ؛ لأنها غير مؤثرة في حقه وتسمع من مالك الحصة ، لتأثيرها في حقه ، ولو كان موسرا سمعت دعواه ؛ لأنه يصير بيساره مشاركا له في تحمل القيمة ، ولا يسمع من مالك الحصة هذه الدعوى ؛ لأنها غير مؤثرة في حقه . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث