الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة الصلاة خلف مشرك أو امرأة أو خنثى مشكل

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( 1140 ) مسألة ; قال : ( وإن صلى خلف مشرك أو امرأة أو خنثى مشكل ، أعاد الصلاة ) وجملته أن الكافر لا تصح الصلاة خلفه بحال سواء علم بكفره بعد فراغه من الصلاة ، أو قبل ذلك ، وعلى من صلى وراءه الإعادة . وبهذا قال الشافعي ، وأصحاب الرأي ، وقال أبو ثور ، والمزني : لا إعادة على من صلى خلفه ، وهو لا يعلم ; لأنه ائتم بمن لا يعلم حاله ، فأشبه ما لو ائتم بمحدث . ولنا ، أنه ائتم بمن ليس من أهل الصلاة ، فلم تصح صلاته ، كما لو ائتم بمجنون ، وأما المحدث فيشترط أن لا يعلم حدث نفسه ، والكافر يعلم حال نفسه .

وأما المرأة فلا يصح أن يأتم بها الرجل بحال ، في فرض ولا نافلة ، في قول عامة الفقهاء ، وقال أبو ثور : لا إعادة على من صلى خلفها . وهو قياس قول المزني وقال بعض [ ص: 16 ] أصحابنا : يجوز أن تؤم الرجال في التراويح ، وتكون وراءهم ; لما روي عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث ، { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل لها مؤذنا يؤذن لها ، وأمرها أن تؤم أهل دارها . } رواه أبو داود . وهذا عام في الرجال والنساء .

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم : { لا تؤمن امرأة رجلا } ، ولأنها لا تؤذن للرجال ، فلم يجز أن تؤمهم ، كالمجنون . وحديث أم ورقة إنما أذن لها أن تؤم نساء أهل دارها ، كذلك رواه الدارقطني . وهذه زيادة يجب قبولها ، ولو لم يذكر ذلك لتعين حمل الخبر عليه ; لأنه أذن لها أن تؤم في الفرائض ، بدليل أنه جعل لها مؤذنا ، والأذان إنما يشرع في الفرائض ، ولا خلاف في أنها لا تؤمهم في الفرائض ، ولأن تخصيص ذلك بالتراويح واشتراط تأخرها تحكم يخالف الأصول بغير دليل ، فلا يجوز المصير إليه ، ولو قدر ثبوت ذلك لأم ورقة ، لكان خاصا بها ، بدليل أنه لا يشرع لغيرها من النساء أذان ولا إقامة ، فتختص بالإمامة لاختصاصها بالأذان والإقامة .

وأما الخنثى فلا يجوز أن يؤم رجلا ; لأنه يحتمل أن يكون امرأة ، ولا يؤم خنثى مثله ; لأنه يجوز أن يكون الإمام امرأة والمأموم رجلا . ولا يجوز أن تؤمه امرأة لاحتمال أن يكون رجلا . قال القاضي : رأيت لأبي حفص البرمكي أن الخنثى لا تصح صلاته في جماعة ; لأنه إن قام مع الرجال احتمل أن يكون امرأة ، وإن قام مع النساء أو وحده أو ائتم بامرأة احتمل أن يكون رجلا ، وإن أم الرجال احتمل أن يكون امرأة .

وإن أم النساء فقام وسطهن احتمل أنه رجل ، وإن قام بين أيديهن احتمل أنه امرأة ، ويحتمل أن تصح صلاته في هذه الصورة ، وفي صورة أخرى ، وهو أن يقوم في صف الرجال مأموما ; فإن المرأة إذا قامت في صف الرجال لم تبطل صلاتها ولا صلاة من يليها . ( 1141 ) فصل : يكره أن يؤم الرجل نساء أجانب ، لا رجل معهن ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يخلو الرجل بالمرأة الأجنبية . ولا بأس أن يؤم ذوات محارمه ، وأن يؤم النساء مع الرجال ، فإن النساء كن يصلين مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد ، وقد أم النبي صلى الله عليه وسلم نساء ، وقد أم النبي صلى الله عليه وسلم أنسا وأمه في بيتهم .

( 1142 ) فصل : إذا صلى خلف من شك في إسلامه ، أو كونه خنثى ، فصلاته صحيحة ، ما لم يبن كفره ، وكونه خنثى مشكلا ; لأن الظاهر من المصلين الإسلام ، سيما إذا كان إماما ، والظاهر السلامة من كونه خنثى ، سيما من يؤم الرجال ، فإن تبين بعد الصلاة أنه كان كافرا أو خنثى مشكلا ، فعليه الإعادة على ما بينا . وإن كان الإمام ممن يسلم تارة ويرتد أخرى ، لم يصل خلفه ، حتى يعلم على أي دين هو ، فإن صلى خلفه ، وهو لم يعلم ما هو عليه نظرنا ; فإن كان قد علم قبل الصلاة إسلامه ، وشك في ردته ، فهو مسلم . وإن علم ردته ، وشك في إسلامه ، لم تصح صلاته .

فإن كان علم إسلامه ، فصلى خلفه ، فقال بعد الصلاة : ما كنت أسلمت أو ارتددت . لم تبطل الصلاة ; لأن صلاته كانت صحيحة حكما ، فلا يقبل قول هذا في إبطالها ; لأنه ممن لا يقبل قوله . وإذا صلى خلف من علم ردته ، فقال بعد الصلاة : قد كنت أسلمت . قبل قوله ; لأنه ممن يقبل قوله . [ ص: 17 ] فصل : قال أصحابنا : يحكم بإسلامه بالصلاة ، سواء كان في دار الحرب أو في دار الإسلام ، وسواء صلى جماعة أو فرادى ، فإن أقام بعد ذلك على الإسلام فلا كلام ، وإن لم يقم عليه فهو مرتد ، يجري عليه أحكام المرتدين . وإن مات قبل ظهور ما ينافي الإسلام فهو مسلم يرثه ورثته المسلمون دون الكافرين . وقال أبو حنيفة : إن صلى جماعة أو منفردا في المسجد ، كقولنا ، وإن صلى فرادى في غير المسجد ، لم يحكم بإسلامه .

وقال بعض الشافعية : لا يحكم بإسلامه بحال ; لأن الصلاة من فروع الإسلام ، فلم يصر مسلما بفعلها ، كالحج والصيام ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم ، إلا بحقها . } وقال بعضهم : إن صلى في دار الإسلام فليس بمسلم ; لأنه قد يقصد الاستتار بالصلاة ، وإخفاء دينه ، وإن صلى في دار الحرب فهو مسلم ; لأنه لا تهمة في حقه . ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم : { نهيت عن قتل المصلين } . وقال : { بيننا وبينهم الصلاة . } فجعل الصلاة حدا بين الإسلام والكفر ، فمن صلى فقد دخل في حد الإسلام ، وقال في المملوك : { فإذا صلى فهو أخوك } .

ولأنها عبادة تختص بالمسلمين ، فالإتيان بها إسلام كالشهادتين ، وأما الحج فإن الكفار كانوا يفعلونه ، والصيام إمساك عن المفطرات ، وقد يفعله من ليس بصائم . ( 1144 ) فصل : فأما صلاته في نفسه ، فأمر بينه وبين الله تعالى ، فإن علم أنه كان قد أسلم ، ثم توضأ وصلى بنية صحيحة ، فصلاته صحيحة ، وإن لم يكن كذلك ، فعليه الإعادة ، لأن الوضوء لا يصح من كافر ، وإذا لم يسلم قبل الصلاة ، كان حال شروعه فيها غير مسلم ، ولا متطهر ، فلم يصح منه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث