الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة في قوله صلى الله عليه وسلم فإنما الولاء لمن أعتق دليل أنه لا ولاء إلا لمعتق

[ ص: 82 ] مسألة : قال الشافعي ، رضي الله عنه : ( وفي قوله صلى الله عليه وسلم فإنما الولاء لمن أعتق . دليل أنه لا ولاء إلا لمعتق ) قال الماوردي : ومراد الشافعي بهذا ثلاثة أمور :

أحدها : إثبات الولاء لكل معتق في واجب وتطوع ، بقول وفعل ، كعتق أم الولد ؛ لأنه عتق زال به الرق وثبت به الولاء ، فكان مع اختلاف الأسباب على سواء .

والثاني : أنه لا ينتقل الولاء عن المعتق ببيع ، ولا هبة ، ولا وصية ، وقد شذ فيه خلاف ، ورد بنص لا يدفع .

والثالث : أنه لا ولاء على من لم يعتق من رق ، ردا على من خالف في ثلاثة أثبت عليهم الولاء ، وإن لم يعتقوا :

أحدها : إثبات الولاء بالتحالف على التناصر ، والتوارث ، والعقل ، فلا حكم لثبوت الولاية في توارث ، ولا عقل ، وإن كان التحالف على التناصر والتعاضد حسنا ، كحلف المطيبين .

قال الشافعي : لو كان مثله في الإسلام لم أمنع منه .

قال إبراهيم النخعي : ينعقد به الولاء في التوارث والعقل ، وليس لواحد من المتحالفين فسخه بعد العقد .

وقال أبو حنيفة : إن عرفت أنساب المتحالفين لم يثبت بالتحالف ، ولا يستحق به التوارث والعقل ، وإن جهلت أنسابهم ثبت به الولاء في استحقاق التوارث والعقل ، وكان لكل واحد منهما فسخه ما لم يعقل عنه ، فإن عقل لزم ، ولم يصح الفسخ احتجاجا بقول الله تعالى : والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ( النساء : 33 ) ولأن ما لا يتعين وارثه من المال جاز للموروث أن يمنعه حيث شاء كالوصايا .

ودليلنا قول النبي صلى الله عليه وسلم : إنما الولاء لمن أعتق . وقوله : " إنما " ، موضوع في اللغة لإثبات ما اتصل به ، ونفي ما انفصل عنه ، كقوله تعالى : إنما الله إله واحد سبحانه ( النساء : 171 ) فكان فيه إثبات الإلهية لله ، ونفي إلهية غيره ، فدل إثبات الولاء للمعتق على نفيه عن غير المعتق ، ولأن التوارث مستحق بالنسب والولاء ، فلما لم يثبت بعقد التحالف نسب لم يثبت به ولاء ، ولأن كل سبب لا يورث به مع وجود النسب بحال لم يورث به مع عدم النسب في حال كالرضاع ، ولأن كل من كان لماله جهة ينتقل إليها بوفاته لم يملك نقله بعقد ولاية كالتحالف مع وجود المولى .

فأما الآية ، فعنها جوابان :

[ ص: 83 ] أحدهما : ما قاله ابن عباس أنها كانت ثابتة في صدر الإسلام ، ثم نسخت بقوله تعالى : وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض ، ( الأنفال : 75 ) .

والثاني : ما رواه داود بن الحصين قال : قرأت القرآن على أم سعد بن الربيع ، فلما انتهيت إلى قوله : والذين عقدت أيمانكم ، ( النساء : 33 ) ، قالت : اقرأ : والذين عقدت أيمانكم ، ( النساء : 33 ) ، فإن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق حيث حلف : لا يورث ولده عبد الرحمن فنزل قوله : والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ، ( النساء : 33 ) ، أي لا تمنعوهم ، وإن كنتم قد حلفتم ألا تورثوهم ، فكان محمولا على هذا السبب .

وأما الجواب عن قياسه على الوصايا ، فهو أن الوصايا تقف على خيار الموصي مع وجود النسب من غير حلف ، فخالف ما لا يصح مع النسب ، ولا ينعقد إلا بحلف .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث