الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة من أعتق سائبة فهو معتق وله الولاء

مسألة : قال الشافعي ، رضي الله عنه : ( ومن أعتق سائبة فهو معتق وله الولاء ) .

قال الماوردي : والمعتق سائبة أن يقول السيد لعبده : أنت حر ولا ولاء لي عليك أو يقول له : أنت عتيق سائبة ، فيكون حكمه ألا ولاء عليه ، فلا اختلاف بين الفقهاء أن العتق واقع ، فأما سقوط الولاء فيه ، فمذهب الشافعي وأبي حنيفة وجمهور الفقهاء أن الولاء ثابت لا يسقط بتسبية واشتراط سقوطه .

وقال مالك : يسقط فيه الولاء اعتبارا بشروطه ؟ واستدلالا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : المسلمون على شروطهم . وبما روى عمر رضي الله عنه قال : " السائبة ليومها " . وفيه تأويلان :

[ ص: 88 ] أحدهما : أن حكمها على ما شرطه في يوم عتقها .

والثاني : أنها ليوم القيامة ؛ لأنه قصد بها الأجر دون الولاء .

وبما روى الشعبي : أن سالما مولى أبي حذيفة أعتقته ليلى بنت يعار زوجة أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة سائبة ، فقتل يوم اليمامة ، وخلف بنتا ، ومولاته ليلى زوجة أبي حذيفة ، فدفع أبو بكر وعمر إلى بنته النصف ، وعرض الباقي على مولاته ، فقالت : لا أرجع في شيء من أمر سالم ، فإني جعلته سائبة لله ، فجعل أبو بكر النصف الباقي في سبيل الله .

ودليلنا قول الله تعالى : ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ( المائدة : 103 ) ، فلما امتنع من حكم السائبة في البهائم التي لا يجري عليها حكم العتق ، كان المنع في الآدميين ممن يجري عليه حكم العتق أولى .

وقول النبي صلى الله عليه وسلم : الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب .
وفيه دليلان : أحدهما : أنه اعتبره بالنسب ، والنسب لا يعتبر حكمه بالشرط ، كذلك الولاء .

والثاني : قوله : " ولا يوهب " والسائبة هبة الولاء ، ولأن موالي بريرة باعوها على عائشة رضوان الله عليها ، واشترطوا أن يكون لهم ولاؤها إذا أعتقت ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ، كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل . كتاب الله أحق وشروطه أوثق ، والولاء لمن أعتق . فأثبت الولاء للمعتق وأبطل أن يكون لغيره .

وروي أن طارقا أعتق عبيدا له سوائب ، وكانوا ستة ، وقيل عشرة فماتوا كلهم بعد موت طارق ، وخلفوا مالا ، فرفع ذلك إلى عمر فقضى به لورثة طارق ، فامتنعوا من أخذه ، فقال عمر : أرجعوه إلى قوم مثلهم ، فأبان بهذا القضاء أن الولاء ثابت في عتق السائبة . وروى قبيصة بن ذؤيب أن أصحاب السوائب شكوا إلى عمر رضي الله عنه ، وقالوا : إما أن تجعل العقل علينا ، والميراث لنا ، وإما ألا يكون لنا ميراث ، ولا علينا عقل ، فقضى عمر لهم بالميراث . وروي مثله عن علي ، وابن مسعود ، وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم ، ولأن الولاء في العتق كالرجعة في الطلاق ، فلما كان لو طلقها على ألا رجعة له عليها وقع الطلاق ، واستحق الرجعة ، وجب مثله في عتق السائبة أن يقع العتق ، ويستحق الولاء .

فأما الجواب عن قوله صلى الله عليه وسلم : المسلمون على شروطهم . فهو ما وصله به إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا ، وهذا منه .

[ ص: 89 ] وأما الجواب عن قول عمر : " السائبة ليومها " ، فهو مجمل لا يثبت به شرع ، وحمله على مقتضى السنة أولى .

وأما حديث سالم ، فقد حكم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما بدفع ميراثه إلى مولاته ، فلما امتنعت من ميراثه لم تجبر عليه ؛ لأنه حق لها ، وليس بحق عليها ، فوضعه حيث رأى من الوجوه والمصالح .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث