الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل عبد بين شريكين قالا إذا متنا فأنت حر

فصل : فإذا تقرر ما ذكرناه ، فصورة المسألة في عبد بين شريكين قالا : إذا متنا فأنت حر لم يعتق حصة واحد منهما إلا بموتهما ، سواء اتفقا على القول في حالة واحدة ، أو تقدم فيه أحدها على الآخر ؛ لأن كل واحد منهما علق عتق حصته بصفتين هما : موته وموت شريكه ، فلم يعتق بموت أحدهما لأن موته إحدى الصفتين في عتقه ، وكانت حصة كل واحد منهما مترددة بين أن يعتق عليه عن وصيته بعد الموت إن تقدم موته ، وبين أن يعتق عليه بتدبير يقع بالموت إن تأخر موته ، وإذا كان كذلك لم يخل موتهما من أن يختلف ، أو يتفق . فإن اتفق موتهما معا في حالة واحدة عتق عليهما وفي حكم عتقه عليهما وجهان :

أحدهما : عتق عليهما تدبيرا ، لاتصال عتقه بموته .

والوجه الثاني : عتق عليهما وصية لا تدبيرا ؛ لأن التدبير ما تفرد عتقه بموته ، ولم يقترن بغيره ، وإن مات أحدهما قبل الآخر ، تعين فيه عتق حصته بالوصية ، ولم تعتق عليه بموته وكان عتقها موقوفا على موت شريكه ، وتعين العتق في الباقي منهما بالتدبير لوقوعه بموته ، ومنع ورثة المتقدم بالموت من بيعه ، وإن كان في الحكم باقيا [ ص: 111 ] على رقه ، وملكوا عليه أكساب حصتهم منه ، فإذا مات الشريك الباقي عتق حينئذ جميعه بوصية الأول ، وتدبير الثاني .

ولو أراد الثاني بيع حصته قبل موته ، جاز ولم يجز بيع ورثة الأول ، ويكون عتق حصة الأول موقوفة على موت الباقي بعد بيعه ، فيعتق بموت الثاني حصة الأول دون الثاني ، ولو كان هذا القول من أحد الشريكين دون الآخر ، فقال واحد منهما : إذا متنا فأنت حر لم تعتق حصته إلا بموتهما سواء تقدم موته أو تأخر ، وكان عتق حصته مترددة بين أن يعتق عليه بالوصية إن تقدم موته ، وبالتدبير إن تأخر موته ، وحصة الشريك الآخر باقية على الرق في حياته ، وبعد موته سواء تقدم موته ، أو تأخر .

وفرع الشافعي على هذا في المبسوط من كتاب " الأم " إذا قال الشريكان في العبد : أنت حبيس على موت الآخر منا ثم تكون حرا ، كان الجواب فيه على ما مضى من عتق حصة الأول بالوصية ، وعتق حصة الثاني بالتدبير ، ويختص هذا التفريع بحكم زائد ، وهو أن يكون كسب العبد بعد موت الأول ، وقبل موت الثاني ملكا للثاني ولا يكون لورثة الأول لأنه لما جعله حبيسا على موت الثاني جعله كالعارية في ذمته مدة حياته ، ولم يكن وقفا ؛ لأن الوقف ما كان مؤبدا ولم يتقدر بمدة ، فإذا قدر بها خرج عن حكم الوقف إلى العواري ، ولم يكن للورثة أن يرجعوا في حكم هذه العارية . وإن جاز الرجوع في العواري لأنها عن وصية ميتهم ، فلزمت بموته كسائر الوصايا ، وليس لهم أن يعتبروا كسب العبد في ثلث الميت ، وإن كان موصى به لدخول كسبه في قيمة رقبته المعتبرة من ثلثه . فلو كانت المسألة بحالها فقتل العبد بعد موت الأول ، وقبل موت الثاني مات بالقتل عبدا ؛ لأن صفة عتقه لم تكمل ، وكانت قيمته بين الثاني ، وورثة الأول ، وكان لهم أن يحتسبوا بما أخذه الثاني من كسب العبد في ثلث الأول ؛ لأنه مأخوذ بوصيته ، ولم يدخل في قيمة رقبته .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث