الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

السؤال

أود أن أعرف لماذا حين أدعو الله ربي أشعر أنه بعيد عني، لكن حينما أعصيه أشعر أنه قريب مني، أعني بذلك وقت الدعاء نفسه أو وقت المعصية؟.

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فلا يمكننا القطع بتفسير هذا الشعور، ولكن ما يمكننا قوله: أن للمعصية أنواعا من الشؤم ظاهرة وباطنة، فمن شؤمها حصول الوحشة بين العبد وبين ربه عز وجل، ومن شؤمها أن توقع العبد في إساءة الظن في الله تعالى قال ابن القيم في الداء والدواء: لا ريب أن حسن الظن إنما يكون مع الإحسان، فإن المحسن حسن الظن بربه أن يجازيه على إحسانه ولا يخلف وعده ويقبل توبته.

وأما المسيء المصر على الكبائر والظلم والمخالفات: فإن وحشة المعاصي والظلم والحرام تمنعه من حسن الظن بربه، وهذا موجود في الشاهد، فإن العبد الآبق المسيء الخارج عن طاعة سيده لا يحسن الظن به ولا يجامع وحشة الإساءة إحسان الظن أبدا، فإن المسيء مستوحش بقدر إساءته وأحسن الناس ظنا بربه أطوعهم له. انتهى.

وقال ـ أيضا: وللمعاصي من الآثار القبيحة المذمومة المضرة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله، فمنها: وحشية يجدها العاصي في قلبه بينه وبين الله لا يوازنها ولا يقارنها لذة أصلا، ولو اجتمعت له لذات الدنيا بأسرها لم تف بتلك الوحشة، وهذا أمر لا يحس به إلا من في قلبه حياة، وما لجرح بميت إيلام، وشكا رجل إلى بعض العارفين وحشة يجدها في نفسه فقال له: إذا كنت قد أوحشتك الذنوب فدعها إذا شئت واستأنس.

ومن عقوباتها: أنها توقع الوحشة العظيمة في القلب فيجد المذنب نفسه مستوحشا قد وقعت الوحشة بينه وبين ربه، وبينه وبين الخلق، وبينه وبين نفسه، وكلما كثرت الذنوب اشتدت الوحشة. انتهى.

وبهذا يمكن أن يفسر شعور السائل ببعد الله عنه وهو في حال الدعاء، اعتبارا بما سبقه من المعاصي التي لم يتب منها السائل توبة نصوحا.

وأما شعوره بقرب الله تعالى منه حين يعصيه: فهذا إما أن يكون من تزيين الشيطان وتسويله وإغوائه، ليهون على السائل أمر المعاصي.

وإما أن هذه المعاصي تحدِث للسائل بعض أنواع العبودية الباطنة ـ كالندم والخوف من الله تعالى، أو الظاهرة كالبكاء والاستغفار ـ واتباعها بالحسنات لتمحوها.

فالنافع في الحقيقة ليس فعل المعصية، وإنما ما تعقبه من آثار محمودة، كما قال تعالى في وصف المتقين: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ. {آل عمران:135}.

فإنهم لم يكونوا من المتقين بفعل الفاحشة أو ظلم النفس بالذنوب والمعاصي، وإنما بعدم إصرارهم وباستغفارهم وتوبتهم وإنابتهم إلى الله تعالى، وراجع في هذا المعنى الفتوى رقم: 122182.

وقد سبق لنا التنبيه في الفتوى رقم: 5646، على أن القلب يعود بعد التوبة أقرب إلى الله وأكثر حباً له وشوقاً إليه وإقبالاً على طاعته واستشعاراً لحلاوة الطاعة.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني