فروع الفقه الحنفي

فتح القدير

كمال الدين بن عبدالواحد (ابن الهمام)

دار الفكر

سنة النشر: -
رقم الطبعة:  د.ط : د.ت
عدد الأجزاء: عشرة أجزاء

مسألة: الجزء الثاني
كتاب الزكاة ( الزكاة واجبة على الحر العاقل البالغ المسلم إذا ملك نصابا ملكا تاما وحال عليه الحول ) أما الوجوب فلقوله [ ص: 154 ] تعالى { وآتوا الزكاة } ولقوله عليه الصلاة والسلام { أدوا زكاة أموالكم } وعليه إجماع الأمة ، والمراد بالواجب الفرض لأنه لا شبهة فيه ، واشتراط الحرية لأن كمال الملك بها ، والعقل والبلوغ لما نذكره ، والإسلام لأن الزكاة عبادة ولا تتحقق من الكافر ، ولا بد من ملك مقدار النصاب [ ص: 155 ] لأنه عليه الصلاة والسلام قدر السبب به ، ولا بد من الحول لأنه لا بد من مدة يتحقق فيها النماء ، وقدرها الشرع بالحول لقوله عليه الصلاة والسلام { لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول } ولأنه المتمكن به من الاستنماء لاشتماله على الفصول المختلفة ، والغالب تفاوت الأسعار فيها فأدير الحكم عليه . ثم قيل : هي واجبة على الفور لأنه مقتضى مطلق الأمر ، وقيل على التراخي لأن جميع العمر وقت الأداء ، ولهذا لا تضمن بهلاك [ ص: 156 ] النصاب بعد التفريط .

الحاشية رقم: 1
[ ص: 153 ] كتاب الزكاة هي في اللغة الطهارة قد أفلح من تزكى والنماء : زكا الزرع إذا نما . وفي هذا الاستشهاد نظر لأنه ثبت الزكاء بالهمز بمعنى النماء ، يقال زكا زكاء فيجوز كون الفعل المذكور منه لا من الزكاة ; بل كونه منها يتوقف على ثبوت عين لفظ الزكاة في معنى النماء ، ثم سمي بها نفس المال المخرج حقا لله تعالى على ما نذكر في عرف الشارع ، قال تعالى { وآتوا الزكاة } ومعلوم أن متعلق الإيتاء هو المال ، وفي عرف الفقهاء هو نفس فعل الإيتاء لأنهم يصفونه بالوجوب ، ومتعلق الأحكام الشرعية أفعال المكلفين ، ومناسبته للغوي أنه سبب له إذ يحصل به النماء ، بالإخلاف منه تعالى في الدارين والطهارة للنفس من دنس البخل والمخالفة ، وللمال بإخراج حق الغير منه إلى مستحقه : أعني الفقراء . ثم هي فريضة محكة ، وسببها المال المخصوص : أعني النصاب النامي تحقيقا أو تقديرا ولذا يضاف إليه فيقال زكاة المال . وشرطها الإسلام ، والحرية ، والبلوغ ، والعقل ، والفراغ من الدين . وتقريره ظاهر من [ ص: 154 ] الكتاب ( قوله لقوله عليه الصلاة والسلام أدوا إلخ ) عن سليم بن عامر قال : سمعت أبا أمامة رضي الله عنه يقول { سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع فقال : اتقوا الله وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وأدوا زكاة أموالكم وأطيعوا إذا أمرتم تدخلوا جنة ربكم } قال : قلت لأبي أمامة منذ كم سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : سمعته وإنه ابن ثلاثين سنة . رواه الترمذي وصححه ، وروي من حديث غير أبي أمامة أيضا ( قوله والمراد بالواجب الفرض ) لقطعية الدليل إما مجاز في العرف بعلاقة المشترك من لزوم استحقاق العقاب بتركه عدل عن الحقيقة وهو الفرض إليه بسبب أن بعض مقاديرها وكيفياتها ثبتت بأخبار الآحاد ، أو حقيقة على ما قال بعضهم : إن الواجب نوعان : قطعي ، وظني . فعلى هذا يكون اسم الواجب من قبيل المشكك اسما أعم وهو حقيقة في كل نوع ( قوله لأن كمال الملك بها ) مقتضى الظاهر أن يقول لأن الملك بها ، فكأنه عمم الملك في الملك يدا ، فلو قال على هذا التقدير لأن الملك بها لم يصدق لثبوته دونها في المكاتب فإنه مالك يدا إذ ليس بحر ، ثم لم يتكلم على قيد التمام وهو مخرج لملك المكاتب فيخرج حينئذ مرتين ، وهذا أعم إخراجا فإنه يخرج أيضا النصاب المعين من السائمة الذي تزوجت عليه المرأة ولم تقبضه حتى حال عليه الحول فإنه لا زكاة فيه عليها عند أبي حنيفة ، خلافا لهما لأن الملك وإن تحقق بذلك لكنه غير كامل بالنظر إلى ما هو المقصود وصيرورته نصاب الزكاة ينبني على تمام المقصود به لا على مجرد الملك ولذا لم يجب في الضمار . ويخرج أيضا المشتري للتجارة إذا لم يقبض حتى حال حول لا زكاة فيه إذ لم يستفد ملك التصرف وكمال الملك بكونه مطلقا للتصرف وحقيقته مع كونه حاجزا ، ويخرج المال المشتغل بالدين لذلك ، إذ صاحب الدين مستحق أخذه من غير قضاء ولا رضاء وهذا يصيره كالوديعة والمغصوب ، بخلاف الموهوب ، فإنه يجب عليه في مال الهبة بعد الحول ، وإن تمكن الواهب من الرجوع لأنه لا يتملكه إلا بقضاء أو رضاء ، ولا يخرج ما ملك بسبب خبيث ولذا قالوا : لو أن سلطانا غصب مالا وخلطه صار ملكا له حتى وجبت عليه الزكاة وورث عنه . ولا يخفى أن هذا على قول أبي حنيفة إن خلط دراهمه بدراهم غيره استهلاك ، أما على قولهما فلا يضمن فلا يثبت الملك لأنه فرع الضمان ، ولا يورث عنه لأنه مال مشترك ، فإنما يورث حصة الميت منه ، والله سبحانه أعلم . وإذ قد عرفت هذا فلو قيل تجب على المسلم البالغ المالك [ ص: 155 ] لنصاب ملكا تاما لكان أوجز ، إذ يستغنى بالمالك عن الحر وبتمام الملك يخرج المكاتب ومن ذكرناه ( قوله لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدر السبب به ) له شواهد كثيرة ، ومنها حديث الخدري قال : قال عليه الصلاة والسلام { ليس فيما دون خمس أواق صدقة ، وليس فيما دون خمس ذود صدقة ، وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة } وسيمر بك غيره من الشواهد ( قوله لقوله عليه الصلاة والسلام { لا زكاة في مال } إلخ ) روى مالك والنسائي عن نافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { من استفاد مالا فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول } وأخرج أبو داود عن عاصم بن ضمرة والحارث الأعور عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { إذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم } وساق الحديث ، وفيه بعد قوله ففيها نصف دينار فما زاد فبحساب ذلك قال : فلا أدري أعلي يقول يقول فبحساب ذلك أو رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم . وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول ، والحارث وإن كان مضعفا لكن عاصم ثقة ، وقد روى الثقة أنه رفعه معه فوجب قبول رفعه ، ورد تصحيح وقفه . وروي هذا المعنى من حديث ابن عمرو من حديث أنس وعائشة ( قوله ولأنه الممكن من الاستنماء ) بيان لحكمة اشتراط الحول شرعا ، وحقيقته أن المقصود من شرعية الزكاة مع المقصود الأصلي من الابتلاء مواساة الفقراء على وجه لا يصير هو فقيرا بأن يعطي من فضل ماله قليلا من كثير ، والإيجاب في المال الذي لا نماء له أصلا يؤدي إلى خلاف ذلك عند تكرر السنين خصوصا مع الحاجة إلى الإنفاق ، فشرط الحول في المعد للتجارة من العبد أو بخلق الله تعالى إياه لها ليتمكن من تحقيقها في الوجود فيحصل النماء المانع من حصول ضد المقصود ، وقولهم في النقدين خلقا للتجارة معناه أنهما خلقا للتوسل بهما إلى تحصيل غيرهما ، وهذا لأن الضرورة ماسة في دفع الحاجة والحاجة في المأكل والمشرب والملبس والمسكن وهذه غير نفس النقدين ، وفي أخذها على التغالب من الفساد ما لا يخفى ، فخلق النقدان لغرض أن يستبدل بهما ما تندفع الحاجة بعينه بعد خلق الرغبة بهما فكانا للتجارة خلقة ( قوله ثم قيل هي واجبة على الفور لأنه مقتضى مطلق الأمر ) الدعوى مقبولة وهي قول الكرخي ، والدليل المذكور عليها غير مقبول ، فإن المختار في الأصول أن مطلق الأمر لا يقتضي الفور ولا التراخي ، بل مجرد طلب المأمور به فيجوز للمكلف كل من التراخي والفور في الامتثال لأنه لم يطلب منه الفعل مقيدا بأحدهما فيبقى على خياره في المباح الأصلي . والوجه المختار أن الأمر بالصرف إلى الفقير معه قرينة الفور وهي أنه لدفع حاجته وهي معجلة ، فمتى لم تجب على الفور لم يحصل المقصود من الإيجاب على وجه التمام . وقال أبو بكر الرازي : وجوب [ ص: 156 ] الزكاة على التراخي لما قلنا من أن مطلق الأمر لا يقتضي الفور فيجوز للمكلف تأخيره ، وهذا معنى قولهم مطلق الأمر للتراخي لا أنهم يعنون أن التراخي مقتضاه . قلنا إن لم يقتضه فالمعنى الذي عيناه يقتضيه وهو ظني فتكون الزكاة فريضة وفوريتها واجبة فيلزم بتأخيره من غير ضرورة الإثم كما صرح به الكرخي والحاكم الشهيد في المنتقى ، وهو عين ما ذكر الفقيه أبو جعفر عن أبي حنيفة أنه يكره أن يؤخرها من غير عذر ، فإن كراهة التحريم هي المحمل عند إطلاق اسمها عنهم ، ولذا ردوا شهادته إذا تعلقت بترك شيء كان ذلك الشيء واجبا لأنهما في رتبة واحدة على ما مر غير مرة ، وكذا عن أبي يوسف في الحج والزكاة ، فترد شهادته بتأخيرهما حينئذ لأن ترك الواجب مفسق ، وإذا أتى به وقع أداء لأن القاطع لم يوقته بل ساكت عنه . وعن محمد ترد شهادته بتأخير الزكاة لا الحج لأنه خالص حق الله تعالى والزكاة حق الفقراء . وعن أبي يوسف عكسه ، فقد ثبت عن الثلاثة وجوب فورية الزكاة والحق تعميم رد شهادته لأن ردها منوط بالمأثم ، وقد تحقق في الحج أيضا ما يوجب الفور مما هو غير الصيغة على ما نذكر في بابه إن شاء الله . وما ذكر ابن شجاع عن أصحابنا أن الزكاة على التراخي يجب حمله على أن المراد بالنظر إلى دليل الافتراض : أي دليل الافتراض لا يوجبها ، وهو لا ينفي وجود دليل الإيجاب ، وعلى هذا ما ذكروا من أنه إذا شك هل زكى أو لا يجب عليه أن يزكي ، بخلاف ما لو شك أنه صلى أم لا بعد الوقت لا يعيد لأن وقت الزكاة العمر ، فالشك حينئذ فيها كالشك في الصلاة في الوقت ، والشك في الحج مثله في الزكاة . هذا ولا يخفى على من أنعم التأمل أن المعنى الذي قدمناه لا يقتضي الوجوب لجواز أن يثبت دفع الحاجة مع دفع كل مكلف متراخيا ، إذ بتقدير اختيار الكل للتراخي وهو بعيد لا يلزم اتحاد زمان أداء جميع المكلفين فتأمل . وإذا أخر حتى مرض يؤدي سرا من الورثة ولو لم يكن عنده مال فأراد أن يستقرض لأداء الزكاة إن كان أكبر رأيه أنه يقدر على قضائه بالاجتهاد فيه كان الأفضل له الاستقراض ، وإن كان ظنه خلافه فالأفضل أن لا يستقرض لأن خصومة صاحب الدين أشد .

السابق

|

| من 74

1998-2019 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة